حول مسألة القوانين

 

 

قوانينا ليست معروفة عموماً. إنها سرّ مجموعة النبلاء الصغيرة التي تحكمنا. ونحن مقتنعون بأن هذه القوانين القديمة إنما تطبق بدقة. إلا أنه رغم ذلك يؤلم غاية الألم أن يُحكم المرء بناء على قوانين لا يعرفها. إنني لا أفكر هنا بإمكانيات التفسير المتنوعة والمساوئ التي تنتج عندما لا يجوز سوى لأفراد، وليس للشعب قاطبة، بالمساهمة في التفسير. قد لا تكون هذه المساوئ كبيرة جداً، إذ أن القوانين قديمة كل القدم حقاً. وقد عملت في تفسيرها قرون، هذا التفسير أيضاً أصبح قانوناً. صحيح أن الحريات الممكنة لدى التفسير ما زالت باقية، لكنها مقيدة أشد التقييد. فضلاً عن ذلك ليس لدى النبلاء، فيما يبدو، سبب يدعوهم، لدى التفسير، أن يدَعوا مصلحتهم الشخصية تؤثّر عليهم لغير صالحنا، إذ أن القوانين قد وضعت، كما هو معلوم، منذ البداية من أجل النبلاء، إنهم يقفون خارج القانون ولهذا السبب بالذات يبدو القانون وقد سلّم نفسه أولاً وأخيراً لأيديهم. في هذا تكمن طبعاً حكمة – من يشك بحكمة القوانين القديمة؟ -، لكن أيضاً عذاباً لنا، الأمر الذي لا محيص عنه على الأرجح.

للمناسبة، لا يمكن مبدئياً سوى تخمين وجود هذه القوانين الظاهرية. من المأثور أنها موجودة، وأنه عُهد بها إلى النبلاء بصفتها سراً، إلا أنها ليست أكثر من تقليد قديم وجديرة بالتصديق لقدمها؛ ولا يمكنها أن تكون أكثر من ذلك، حيث أن طبيعة هذه القوانين تقتضي أيضاً أن يظل وجودها طي الكتمان. لكن عندما نتتبع في الشعب، باهتمام، منذ أقدم الأزمنة، أعمال النبلاء، ونملك كتابات أجدادنا عنها ونتابع كتابتها بعناية، ونعتقد أننا أدركنا في الحقائق التي لا تعدّ ولا تحصى بعض الارشادات التي تدل على أي حكم تاريخي، وعندما نحاول، بناء على هذه الاستنتاجات المنتقاة والمنظمة بكل إتقان، أن نعدّ أنفسنا، بعض الشيء، للحاضر والمستقبل – فإن هذا كله غير مضمون، وربما يكون مجرد لعبة من ألعاب العقل، إذ أنه من الجائز أن هذه القوانين التي نحاول هنا حدسها لا توجد أصلاً. وثمة حزب صغير يرى هذا الرأي فعلاً، ويحاول أن يبرهن على أنه في حال وجود قانون، لا يمكن أن يكون نصه سوى: ما يفعله النبلاء هو القانون. هذا الحزب لا يرى سوى أعمال النبلاء التعسفية ويرفض التقاليد الشعبية التي لا تجلب، كما يرى، إلا نفعاً ضئيلاً عارضاً، بل تسبب، على النقيض من ذلك، ضرراً بالغاً في أغلب الحالات، إذ أنها تعطي للشعب أماناً كاذباً زائفاً تجاه الأحداث المقبلة يفضي إلى التهور. هذا الضرر لا يمكن نكرانه، غير أن الغالبية العظمى لشعبنا ترى أن سبب هذا الضرر إنما يعود إلى أن التقاليد لا تكفي بتاتاً، وأنه ما زال من الضروري، إذاً، أن يجري البحث فيها أكثر بكثير، ولكن أن مادتها أيضاً، مهما بدت ضخمة، ما زالت ضئيلة جداً، وأن قروناً يجب أن تمضي قبل أن تصبح كافية. إن قتامة هذه النظرة بالنسبة للحاضر لا يضيئها سوى الإيمان بأن يوماًً سيأتي تطوى فيه صفحة التقاليد والبحث فيها ونتنفس الصعداء نوعاً ما، يتوضح كل شيء، يصبح القانون ملكاً للشعب وحده ويختفي النبلاء. هذا لا يقال مثلاً بحقد على النبلاء، كلا بأي حال. وما من أحد يقول ذلك. إننا بالأحرى نكره أنفسنا، وذلك لأننا ما زلنا لم نتمكن من أن نكون جديرين بالقانون. ولهذا السبب في الواقع ظل ذلك الحزب، المثير جداً بمعنى ما، والذي لا يؤمن مبدئياً بأي قانون، صغيراً إلى هذه الدرجة، لأنه هو أيضاً يعترف كل الاعتراف بالنبلاء وبحقهم في البقاء.

في الحقيقة لا يمكن التعبير عن الأمر إلا بنوع من التناقض: إن حزباً قمين، إلى جانب إيمانه بالقوانين، أن يرفض النبلاء، سيؤيده على الفور الشعب قاطبة. لكن حزباً كهذا لا يمكنه أن ينشأ، لأن ما من أحد يجرؤ على رفض النبلاء. على حد السكين هذا نعيش. كاتب لخص هذا ذات مرة على الشكل التالي: إن القانون الوحيد، المرئي، الذي لا شك فيه والمفروض علينا، هو النبلاء ومن أجل هذا القانون الواحد الوحيد نريد أن نقتل أنفسنا؟ (*).

-------

(*) كتب كافكا قصة حول مسألة القوانين في نهاية اكتوبر عام 1920. بيندر يكتب: "كانت قناعة كافكا الأساسية أنه لا يمكن معرفة القوانين الذهنية والآليات النفسية التي تقرر حياة الإنسان".

 

 

بنات آوى وعرب

 

 

كنا نرقد في الواحة. وكان الرفاق نياماً. عربيّ، فارع القامة، أشيب، مرّ بي؛ كان ذاهباً إلى المرقد بعد أن أطعم الإبل.

ألقيت بنفسي إلى الخلف في العشب؛ رغبت في النوم؛ تعذّر عليّ؛ من بعيد تناهى إليّ عُواء ابن آوى؛ جلست معتدلاً ثانيةً. وما كان بعيداً جداً، غدا قريباً على حين غرّة. قطيع من بنات آوى حولي؛ أعين تضيء لامعةً بلون ذهبي كابٍ، منطفئة؛ أجساد ضامرة، تتحرك برشاقة متّبعة قانوناً داخلياً، وكأنها تحت سوط.

أتى أحد الحيوانات من الوراء، أدخل نفسه تحت ذراعي والتصق بي، وكأنه يحتاج إلى دفئي، ثم مَثَلَ أمامي وتحدث إليّ، وجهاً لوجه أو يكاد:

"أنا أكبر بنات آوى سناً في هذه المنطقة. إنني سعيد أن أقابلك هنا أيضاً. كنت أكاد أقطع الأمل، إذ إننا ننتظرك منذ مدة طويلة جداً؛ أمي انتظرت وأمها ثم كل أمهاتها حتى الأم الأولى لبنات آوى. صدّقْ!".

"أتعجب من هذا"، قلت وقد نسيت أن أشعل النار في كومة الحطب، التي كانت معدَّةً لصدّ بنات أوى بدخانها، "أتعجب جداً من سماع هذا. عن طريق الصدفة وحسب آتي من أقصى الشمال وأتواجد في رحلة قصيرة. ماذا تبغين يا بنات آوى؟".

وكأنها تجرأت بفضل هذا التشجيع الودّيّ أكثر من اللازم ربما، ضيّقت دائرتها حولي، وكانت كلها تتنفس تنفساً قصيراً وتنفث.

"إننا نعلم"، شرع الأكبر سناً قائلاً، "أنك تأتي من الشمال، وعلى هذا بالذات يقوم أملنا. هناك العقل، الذي لا يعثر عليه بين العرب. من هذه الكبرياء الباردة، تَعْلَمْ، لا تخرج ذرة عقل. إنهم يقتلون الحيوانات لكي يلتهموها، والجثة يهملونها".

"لا تتحدث بصوت عال هكذا"، قلت، "ثمة عرب ينامون على مقربة".

"إنك غريب حقاً"، قال ابن آوى، "وإلا كان من شأنك أن تعرف أنه لم يحدث قط في تاريخ العالم أن خاف ابن آوى من عربيّ. هل علينا أن نخشاهم؟ أليست مصيبة كافية أننا منبوذون بين مثل هذا الشعب؟".

"قد يكون، قد يكون"، قلت، "لا أستبيح لنفسي حكماً على أشياء بعيدة عني بقدر كبير؛ يبدو أنه نزاع ضارب في القدم؛ لا بدّ أنه إذاً يجري في الدم، وربما لن ينتهي إذاً سوى بالدم".

"إنك في غاية الفطنة"، قال ابن آوى كبير السن؛ وراحت بنات آوى تتنفس بسرعة أكثر، برئات منهكة، رغم أنها كانت تقف بلا حراك؛ ومن أفواهها الفاغرة فاحت رائحة فظيعة لم تكن لتطاق أحياناً سوى بأسنان مطبقة، "إنك في غاية الفطنة؛ ما تقوله، يطابق تعاليمنا القديمة. نأخذ دمهم إذاً، فينتهي النزاع".

"أوه!"، قلت بعنف أكثر مما أردت، "سوف يقاومون؛ سوف يرمونكم برصاص بنادقهم أفواجاً أفواجاً".

"إنك تسيء فهمنا"، قال، "طبقاً لطبيعة البشر، التي لا تزول إذاً حتى في أقصى الشمال. إننا لن نقتلهم. ليس في النيل من المياه ما يكفي لتنظيف أنفسنا. إننا لنجري من مجرد رؤية بدنهم الحيّ، إلى هواء أكثر نقاء، إلى الصحراء، التي هي لهذا السبب وطننا".

وكل بنات آوى من حوله، وكان قد أتى إليها في هذه الأثناء عدد كثير من بعيد، خفضت رؤوسها بين سيقانها الأمامية وراحت تنظفها بمخالبها؛ كان الأمر وكأنها أرادت أن تخفي اشمئزازاً كان رهيباً للغاية لدرجة أنه لم يكن أحب إليّ من أن أهرب من دائرتها بقفزة عالية.

"ماذا تنوون إذاً أن تفعلوا؟"، سألت وأردت أن أنهض؛ لكنني لم أستطع؛ كان حيوانان فتيّان قد عضّا بقوة من الوراء في ردائي وقميصي وتشبثا بهما؛ واضطررت إلى البقاء جالساً. "إنهما يمسكان ذيل ردائك"، قال ابن آوى كبير السن موضحاً وجاداً، "وهذه شهادة شرف". "عليهما أن يتركاني!"، ناديت، متوجهاً مرة إلى كبير السن، ومرة إلى الصغيرين. "سوف يفعلان ذلك طبعاً"، قال كبير السن، "عندما تطلب ذلك، غير أن الأمر يستغرق بعض الوقت، إذ إنهما عضّا بقوة طبقاً للمألوف، وينبغي عليهما أولاً أن يفتحا فكّيهما تدريجياً. في هذه الغضون استمع إلى مطلبنا". "تصرفكم لم يجعلني متقبلاً جداً لهذا المطلب"، قلت. "دعنا لا نكفّر عن عدم لباقتنا"، قال وهو يستعين الآن لأول مرة بالنبرة الشاكية لصوته الطبيعي، "إننا حيوانات مسكينة، لا نملك سوى الأسنان؛ لكل ما نريد أن نفعله، خيراً أم شراً، لا يبقى لنا سوى الأسنان وحدها". "ماذا تريد إذاً؟" سألتُ وقد هدأ خاطري بعض الشيء فحسب.

"أيها السيد،" نادى، وانطلق عواء بنات آوى جميعها؛ وعن بُعدٍ ناءٍ بدا لي أن الأمر نَغَم. "أيها السيد، عليك أن تُنهي النزاع الذي يقسم العالم. هكذا كما أنت وصف أسلافنا ذلك الذي سوف يفعل ذلك. يجب علينا أن ننال سلاماً من العرب، هواء يُتنفس؛ منَظَّف منهم مدى الأفق؛ لا نواح من خروف يذبحه العربي؛ على كل الحيوانات أن تنفق بهدوء؛ وبهدوء عليها أن تُمصّ من قبلنا وتُنظَّف حتى العظم. النظافة، ولا شيء سوى النظافة نريد"، -   وهنا راحت جميع الحيوانات تبكي وتنتحب - "كيف تتحمل وحدك الوضعَ في هذا العالم، أيها القلب النبيل والجوهر الطيب؟ بياضهم وسَخ؛ وسخهم سواد؛ لحاهم منظر مهول؛ على المرء أن يتقيأ لدى النظر إلى أطراف عيونهم؛ وما أن يرفعوا أذرعهم، حتى ينفتح الجحيم تحت آباطهم. لذا، أيها السيد، لذا، أيها السيد العزيز، بمعونة يديك القادرتين على كل شيء، بمعونة يديك القادرتين على كل شيء، اقطع رقابهم بهذا المقص!" ومتّبعاً هزة رأسه مرّ ابن آوى وهو يحمل على نابه مقص خياطة صغيراً يغطيه صدأ قديم.

"أخيراً إذاً المقص وبهذا النهاية!" نادى العربي قائدُ قافلتنا، الذي كان قد اقترب منا متسللاً ضد الريح وراح الآن يلوّح بسوطه الضخم.

تراجعت الحيوانات الكثيرة، لكنها ظلت واقفةً على مسافة غير قصيرة، تتكور ملتصقةً ببعضها وجامدةً على نحو يجعلها تبدو وكأنها حظيرة ضيقة يحلّق فوقها سراب.

"وهكذا، أيها السيد، شاهدتَ وسمعتَ هذه المسرحية أيضاً"، قال العربي وهو يضحك بمرح بالقدر الذي يسمح به تحفّظ قبيلته. "أنت تعلم إذاً ماذا تريد الحيوانات؟"، سألتُ. "طبعاً، أيها السيد"، قال، "هذا مشهور؛ منذ أن وجد عرب، وهذا المقص يتجول في الصحراء وسوف يتجول معنا حتى نهاية الأيام. وهو يُعرض على كل أوروبي من أجل إنجاز العمل العظيم؛ وكل أوروبي هو بالذات ذلك الذي يبدو لهم مدعواً. هذه الحيوانات تعقد أملاً غير معقول؛ إنها حمقى، حمقى بحق وحقيق. ونحن نحبها لهذا السبب؛ إنها كلابنا؛ وأجمل من كلابكم. انظر فحسب، جَمَل نفقَ في الليل، وعملت على جلبه إلى هنا".

تقدم أربعة حمّالين وألقوا الجيفة الثقيلة أمامنا. وما كادت أن تقع هنا، حتى رفعت بنات آوى أصواتها. تقدمت وكأن كلاً منها تسحبه حبال على نحو لا يقاوم، تقدمت متدافعة وأجسادها تمسّ الأرض. كانت قد نسيت العربي، ونسيت الكراهية، وسَحَرَها الحاضر الطامس لكل شيء، حاضر الجثة التي يتصاعد منها بخار خفيف. وكان أحد بنات آوى يتعلق بالرقبة وقد وجد الشريان منذ العضة الأولى. ومثل مضخة صغيرة غاضبة تريد بالضرورة كما بلا أمل أن تطفئ الحريق الجارف، راحت كل عضلة من عضلات جسمه تنفر وترتعش في مكانها. وما لبث أن تراكمت جميع الحيوانات فوق الجثة تقوم بالعمل نفسه.

وهنا راح قائد القافلة يهوي عليها بسوطه الحاد طولاً وعرضاً. رفعت رؤوسها فيما يشبه النشوة مرة والاغماءة مرة أخرى؛ شاهدتْ العربَ يقفون أمامها؛ باتت الآن تحسّ السوط بخطومها؛ تراجعت قافزة إلى الوراء وجرت القهقرى بعض المسافة. غير أن دم الجمَل كان يقع في بركٍ، وراح بخار يتطاير منه، وكان الجسم قد تمزق في مواضع عدة. ولم يكن في مقدوربنات آوى أن تقاوم؛ وعادت ثانيةً؛ ومرة أخرى رفع القائد السوط؛ فأمسكت ذراعه.

"أنت على صواب، أيها السيد"، قال، "إننا ندعها لدى مهنتها؛ كما إن وقت الرحيل قد أزفّ. لقد رأيتها. حيوانات رائعة، أليس كذلك؟ وكم تكرهنا!"(1).

 

 

تفسير قصة "بنات آوى وعرب" لفرانز كافكا

كتبه: د. كريستيان إشفايلر Dr. Christian Eschweiler (2)

 

 

البنية الجدلية للوجود البشري

 

الواحة هي جزيرة الحياة في وسط الصحراء، والغريب المخيِّم والمستريح هنا هو المستيقظ الوحيد من بين الرفاق النائمين. هذا التيقظ يدعه يستبين العربي فارع القامة، أشيب، كما يسمع عواء ابن آوى في البُعد، هذا العواء الليلي النائح المتعالي فجأة (3). ضياء وعتمة، قُرب وبُعد، عرب وبنات آوى، هي الأضداد التي تنفتح أمام الغريب اليقظ على غير إرادة منه بادئ الأمر، وتؤدي إلى لقاء تبحث عنه بنات آوى: ما كان بعيداً جداً، غدا قريباً على حين غرّة. ما يميز الحيوانات هي الأعين المضيئة والمنطفئة والأجساد الضامرة التي تتحرك برشاقة متّبعة قانوناً داخلياً، وكأنها تحت سوط. البريق الكابي، أي الفاني (4)، والخضوع القاهر لقانون سائد، هما تعبير عن الارتباط بالطبيعة. وعلى نقيض ذلك، فإن وجود سوط من هذا النوع تحت تصرف العرب كأداة سيطرة، يدل في الحال على امتلاكهم قوة وحرية كبيرتين.

يمثل العرب بالنسبة لبنات آوى مضايقةً. تحس أنها منبوذة بينهم وتشعر وجودهم سوء حظ. صحيح أنها لا تخاف منهم، لكنهاتعتبر وجودهم زائداً عن اللزوم، إذ إنه من زاوية نظر بنات آوى جاء مع العرب اللانقاء والوسخ والنزاع والشر، الذي يقسم العالم. بالنسبة لها يعني وجود العرب خطيئة تخلق، عن طريق المعرفة، التمييزَ بين الخير والشر وتدع الموت يوعى. وهيتريد إلغاء هذا التقسيم للعالم، وتعقد الأمل في هذا على العقل الذي تنتظره من أقصى الشمال للغرب. من الوراء، من الماضي، منذ أن وجد العالم وبنات آوى وأمهاتهاتتوق إلى طمأنينة الدفء، الذي لا يعرف شيئاً من الانقسام والنزاع غير المهادن. لذا فإن العرب هم ، بالنسبة لبنات آوى، مدمّرو عالم الطبيعة الذي هو هدف ذاتي بشكل واضح، ويمثلون التعالي البشري، الكبرياء الباردة، التي تعي الموت وتتجه نحوه، وتسمو بازدراء على التعفن في الأرضيّ. إنهم سبب الثنائية، التي تقسم العالم إلى ضدين؛ لكن على العقل أن يزيل هذه الثنائية.

والغريب، الذي يسمع بالصدفة وهو في رحلته القصيرة عن الأمل المعقود عليه، وذلك لأنه نسي أن يشعل النار في كومة الحطب ، التي كانت معدَّةً لصدّ بنات آوى بدخانها، لا يبيح لنفسه، حقاً، أن يحكمعلى أشياء تبدو له بادئ الأمر بعيدة، غير إنه يدرك في الحال النزاعَ الوجوديَّ القديمَ جداً: إنه إذاً في الدم، وربما لن ينتهي إذاً سوى بالدم. مثلما هو الحال في الكثير من كتابات كافكا، فإن تحوّل الحدث المألوف يأتي على حين غرّة وعلى نحوٍ غير متوقع، بين النوم واليقظة، في لحظة غير ذات أهمية ظاهرياً وبلا روية (5). في هذه اللحظة يعي الإنسان، دون تمهيد ولا مقدمات، الانقسامَ الجدلي لعالمه. يدرك استحالة إلغاء التناقضات في وجوده الأرضيّ، ويفهم أن هذا التناقض لا يمكن أن ينتهي إلا في الموت. موت العربي فحسب من شأنه أن يحقق لبنات آوى سلامَ الطبيعة. هذا الإدراك تعكسه تعاليم الحيوانات القديمة. وطبقاً لهذه التعاليم تؤمن بنات آوى الآن - وهيتتنفس بسرعة وهياج أكبر - بحياة لا يتبدل فيها شيء جوهريّ. غير إنها في حين تثني على الغريب من أجل هذا الإدراك الفطن، لا يستطيع هو أن يطيق الرائحة الفظيعة التي فاحت من أفواهها الفاغرة. إن الحياةً الحيوانية تنفّره.

لكن الغريب يدرك تفوق العرب على بنات آوى: سوف يرمونكم برصاص بنادقهم أفواجاً أفواجاً. إن الإنسان المبدع والخلاّق يستطيع أن يثبت موجوديته إزاء الطبيعة. فكره يمنحه إمكانية السيطرة على الطبيعي. لكن هذا الوعي يدفع الغريب هنا في الوقت نفسه إلى أن يخطئ في تقدير نقاء وبراءة الطبيعة. لذا يعلّمه ابن آوى: إنك تسيء فهمنا، طبقاً لطبيعة البشر، التي لا تزول إذاً حتى في أقصى الشمال. إننا لن نقتلهم (6). إن السلوك المتعمد والمخطط له إزاء الموت هو خاص بالإنسان وحده. وحده يعي، من خلال معرفته، ضرورة الاحتضار. على العكس من ذلك، تظل الطبيعة لا تُمسّ من نتائج خطيئته. لكن امتياز الإنسان يحكم على الحيوان بوجود في هواء الصحراء النقيّ ظاهرياً. غير إن النقاء والبراءة هما هنا في الوقت نفسه تعبير عن انعدام المعرفة. بهذا المعنى يصف كافكا الصحراء بأنها وطن الطبيعة النقية (7). في حين أن بنات آوى ترعى هذا النقاء، وتنظف رؤوسها فطرياً بمخالبها، وكأنهاتريد أن تعبّر بهذا عن كراهيتها لوجودٍ آخر، لم يكن أحبّ إلى الغريب من أن يهرب من دائرتها بقفزة عالية. إن مباشَرَة ونقاء مثل هذه الحياة لم تعد ممكنة بالنسبة للإنسان المتيقظ فكرياً. من شأن هذا النمط من الحياة أن يعني بالنسبة له نكسةً، على مسؤوليته، إلى الحياة الخلوّ من الفكر.

يريد الغريب أن ينهض لكي يدير ظهره لبنات آوى. لكنه في هذه اللحظة يعي في الوقت نفسه بأنه هو الآخر مرتبط بها وهيتتشبث به. إنها حيوانات فتية تلك التي عضّت لديه وتشبثت به. وبالتالي فإن شباب الإنسان أيضاً هو الذي يربطه بعالم بنات آوى على نحو وثيق. لكن بالذات شهادة الشرف هذه من قبل الحيوانات يستشعرها الغريب قيداً يبغي التخلص منه. إن تطلعه الشديد إلى الحرية لا تستطيع بنات آوى مقاومته على الدوام. عليها أن تفك الأسنان عن بعضها تدريجياً وتحرر الإنسان الساعي إلى غايته. هذه الدونية الحتمية المرتبطة بالطبيعة هي لدى ابن آوى العجوز السبب الحقيقي للنبرة الشاكية لصوته الطبيعي. يشكو من فقر الحيوانات التي لا تملك سوى أسنانها لكل ما تريد أن تفعله. إن أحادية آلية طبيعتها تحددها في العالم المنقسم إلى المغلوبين بالضرورة، لا تستطيع بقدرة ذاتية من التحرر من العرب. من هنا تعقد الأمل على الغريب وتسميه الآن لأول مرة السيد.

إن الشكوى من العالم المنقسم إلى تناقضات، والرغبة في إزالة هذه التناقضات المتنافرة، تبدو للرجل القادم من الشمال عن بُعدٍ ناءٍ ... بمثابة نَغَم. أيها السيد، عليك أن تُنهي النزاع الذي يقسم العالم. إن أمل بنات آوى يقوم هنا على عقله. على الخطيئة الأولى أن تُزال عقلياً. لا بدّ من محو وإلغاء معرفة الإنسان وحريته. والسلام الذي يتحقق عبر ذلك هو العودة إلى انعدام العقل وإلى الطبيعة الخالصة غايةً في ذاتها. على كل الحيوانات أن تنفق بهدوء؛ وبهدوء عليها أن تُمصّ من قبلنا وتُنظَّف حتى العظم. النظافة، ولا شيء سوى النظافة نريد. إن وجود العرب هو، بالتالي، التعبير عن نتائج الخطيئة الأولى والرمز إلى هذه النتائج. إن وجود العرب يخلً بالمجرى الطبيعي ومحدَّد الهدف لكل أحداث الأرضيّ في أحاديته. لذا فهم بالنسبة لبنات آوى أصل كل التناقضات.

بهم وحدهم يمكن للنقاء الآن أيضاً أن يكون وسخاً، والنبيل ذميماً. إنهم يسببون القرف ويهيئون الجحيم. مقابل كل إيجابيّ يضعون السلبيّ. بياضهم وسخ؛ وسخهم سواد. لكن إذ تناشد بنات آوى معينها بصفته قلباً نبيلاً وجوهراً طيباً، فإنهاتناشد في الوقت نفسه يديه القادرتين على كل شيء، لقطع رقاب العرب. من خلال تكرار وإبراز كلمة (يَدَيْن) يجري التشديد على الفعل المحدَّد المنتظَر. إن التجسيم الجليّ للحدث، هذا التجسيم الملفت للنظر، ينقل الحدث إلى العالم المرئيّ وحده. وفي حين أن أمل بنات آوى كان في البداية يُعقد، على نحو واضح، على عقل الرجل القادم من الشمال، باتت الآن تطلب تطبيقه العملي من أجل إبعاد الفكر من عالم الظواهر (8). على هذا العالم أن يكون حدث طبيعة، حدثاً مستكيناً داخل ذاته، غايةً في ذاته.

إن أمل بنات آوى، هذا الأمل الموغل في القدم والضائع دائماً وأبداً، يعتمد على آلة يدوية بشرية تآكلت منذ زمن بعيد، لا تقدر بصفتهاحيوانات على استخدامها حتى بقوتها الذاتية. لذا فإن مقص الخياطة الصغير، المغطىبصدأقديمهو في الحقيقة رمز عجزها المرتبط بالطبيعة. ومن ثم فإنه يخلق حالاً في العالم المتناقض رمزَ السلطة الحقيقية، السوط الضخم الذي يحمله العربي. إن قوته الفائقة على الإدراك والمعرفة تكشف آليات سلوك بنات آوى المحددة وتتحايل عليها بيسر. لقد انتظر حتى وصلت إلى حدود ما يمكنها، لكي يلزمها حدّها بأمر قاطع. أخيراً إذاً المقص وبهذا النهاية! بهذا تُخلق نقطة تحوّل. تُعاد الحيوانات إلى الوراء، وتبدو بعد زجرها ملتصقة ببعضها وجامدة ... وكأنها حظيرة ضيقة يحلق فوقها سراب. أيضاً الأعين المنطفئة واللامعة، يجب معرفتها وفضحها بمحدوديتها الطبيعية.

لكن ليس ابن آوى وحده، وإنما العربي أيضاً يسمي المسافرَ القادمَ من الشمال سيداً. كل منهما يرى ويقدّر فيه مشاركاً في طريقة حياته، مشاركاً يعلو على كل منهما. لذا يجب أن يُعرض أمامه في القسم الأخير من القصة علاقة العربي ببنات آوى، وذلك من أجل إنهاء المسرحية ككل.وبسرور معتدل يتمتع العربي بعيد الحواس الجميل. "وهكذا، أيها السيد، شاهدتَ وسمعتَ هذه المسرحية أيضاً، قال العربي وهو يضحك بمرح بالقدر الذي يسمح به تحفّظ قبيلته. إن معرفته الدقيقة بطبيعة بنات آوى وقواعد سلوكها تحوّل له هذه الوحوش الضارية إلى كلاب مروَّضة يمكن السيطرة عليها. هذه الحيوانية المتحَكَّم فيها هي جزء من حب العربي، هذا الحب الذي من أجله تصبح الحيوانات أكثر جمالاً بالذات من خلال ترويض توحشها. غير إن بنات آوى في تمردها المتواصل ترى في كل أوروبي أملاً جديداً في أن تتخلص من قيود خضوعها. بهذا يقع الفرد في إغراء الوقوع في دعوتها المجامِلة وإغوائها المغري. لكن لا يقع في هذا الخطر سوى ذلك الذي ينسى انقسام العالم وتمزقه ويستسلم لبنات آوى ويفقد نفسه. من وجهة نظر العربي من شأنه في هذه الحالة أن يُدخَل في عداد الحيوانات ويشاطرها بصفته أحمق أمَلَها غير المعقول، بأنه يمكن نقض قَدَر الإنسان.

لكن من يدرك قانون الحيوانية ويسبر غوره، يمكنه أيضاً أن يتحكم فيه. كبرهان من أجل الأوروبي يدع العربي جيفة جمَلٍ نفق تُلقى أمام بنات آوى. تقدمت وكأن كلاً منها تسحبه حبال على نحو لا يقاوم، تقدمت متدافعة وأجسادها تمسّ الأرض. كانت قد نسيت العربي، ونسيت الكراهية، وسَحَرَها الحاضر الطامس لكل شيء، حاضر الجثة التي يتصاعد منها بخار خفيف. الغريزة كدافع باطني فطري تضطر الحيوان إلى التصرف على الفور كضرورة حياة. ملتصقاً بالأرضي على نحو مباشر يعيش غير واع، يعيش فقط في الهنا والآن، في الحاضر الطامس لكل شيء، والذي يجعل الحياة من أجل اللحظة غايةً لذاتها. بهذا المعنى وبدلالة تامة تروح كل عضلة من عضلات جسمه تنفر وترتعش في مكانها. لكن خدمتها الطبيعية واللاإرادية هي خدمة بالضرورة كما بلا أمل.

كما أطلق العربي بالجيفة لدى بنات آوى التأثيرَ الطاغي لقوة الامتصاص، فإنه يروح الآن يوجّه أهواءها الجارفة غريزياً، هذه الأهواء التي تبيّنها فيما يشبه النشوة مرة والاغماءة مرة أخرى، يوجهها بسوطه الحاد طولاً وعرضاً. وكما لا تملك لكل ما تريد أن تفعل سوى الأسنان، فإنهاباتت الآن تحسّ السوط بخطومها، لكي ترضخ إلى إرادة القائد. الجذب والنفور، الخضوع والسيطرة، الضرورة والحرية، الطبيعة والفكر، وكل التناقضات والأضداد للوجود الأرضي تؤسس توتر الحياة البشرية الذي لا يمكن إزالته. في ختام قصته بنات آوى وعرب يتوّج كافكا هذا التوتر في وضعه الكراهية والحب وجهاً لوجه وعلى نحو لا يعرف مهادنة كما ارتباطهما ببعضهما البعض على نحو لا يمكن الفكاك منه. إننا نحبها، يقول العربي عن بنات آوى، حيوانات رائعة، أليس كذلك؟ وكم تكرهنا! في العالم المنقسم نتيجة الخطيئة الأولى يواجهالحب والكراهية بعضهما بعضاً في علاقة متبادلة مستوجبة. والإنسان يملك نصيباً من كل منهما. فيه تتحد التناقضات، التي تنفي بعضها في حقيقة الأمر. هذه البنية الجدلية للوجود البشري تُقدَّم أمام العقل الغربي للراوي. ومهمته هي أن يدرك هذه الجدلية ويثبت صلاحيته فيها(9).

 

 

(1)كتب كاقكا قصة بنات آوى وعرب في الأيام الأولى من شباط /فبراير عام 1917، ونشرها أولاً في  مجلة شهرية في تشرين الأول / أوكتوبر 1917، ثم في كتاب صدر في عام 1920 بعنوان طبيب ريفي، وهو مجموعة قصصية تضم أربعة عشرة قصة قصيرة (ا. و.).

(2)كتب إشفايلر ونشر ستة كتب عن كافكا هي: 1 "الأمل الميئوس منه بخلاص الذات / تفسير وترتيب جديد لتسلسل فصول رواية المحاكمة لكافكا"، 2 "الخلفية الكامنة في رواية المحاكمة لكافكا"، 3 - "قصص كافكا وخلفيتها الكامنة"، 4 - "شعر كافكا ككل / المفتاح لفهمه"، 5 "حقيقة كافكا فناً / بارقات نور في الظلام"، 6 "رسالة كافكا غير المدرَكة / المحاكمة الصحيحة" (ا. و.).

(3)كل ما هو مطبوع بخط غامق هو استشهاد من كافكا (ا. و.).

(4)على نقيض البريق المغاير كلياً في القصة - الأمثولة أمام القانون،التي هي فصل من فصول رواية  المحاكمة، حيثيرى المحتضر بريقاً يتدفق من باب القانون لا ينطفئ(ك. إ.).

(5) مثل بداية رواية المحاكمة وقصة الانمساخ. في ختام قصة طبيب ريفي يصف كافكا بشكل جليّ القرع الخاطئ للجرس الليلي سبباً للتشظي المفاجئ للعالم المألوف (ك. إ.).

(6)التصرف طبقاً لطبيعة البشر، الذي يجري إبرازه هنا على نحو جليّ، هو المعيار الذي يجب أن تقاس  به كتابات كافكا كافةً. على عكس ذلك، من يمنح شخص الراوي وظيفة فوق أرضية، يغادر أرض الواقع ويتوه في تكهنات لا أساس لها (ك. إ.).

(7)تصورات كافكا تتفق هنا ولا ريب مع قناعة كيركيجارد: "البراءة هي لا معرفة. في البراءة لا يُحدَّد  الإنسان كعقل، وإنما في وحدة مباشرة مع طبيعيته. في قصيدته "متوحد" يضع نيتشه، عمداً، الصحراءَ مقابل طمأنينة الوطن. كافكا يجمع المجالين؛ وبهذا يصف الصحراء كلاشيء الطبيعة ووطن الحيوانات (ك. إ.).

(8) في "فاوست" غوته يدعو مفيستو إلى هذا الهدف بصفته "قبضة الطبيعة". يهم مفيستو أن ينفي كون العالم معنى كلياً، وذلك كي يطمس التوق الميتافيزيقي للإنسان ويدعه يقع في الأرضيّ كلياً. عندما يبدو هذا الوضع من وجهة نظر بنات آوى نظافةً وعالم العرب وسخاً، لا تصبح هذه المفاهيم مفهومة سوى انطلاقاً من أن الحيوان إنما هو مخلوق غير عاقل (ك. إ.)

(9)كما أن شخوص الحيوانات الكثيرة في قصص كافكا لا تعني الحيوانات في حد ذاتها، كذلك فإن الأماكن التي تجري فيها أحداث قصصه ورواياته لا تعني هذه الأمكنة المحددة جغرافياً، مثل الصين وروسيا وأمريكا والمستعمرات وصحراء العرب وبابل. إبداع كافكا يعالج طبيعة البشر بصفتهم بشراً وليس أعضاء في جماعات معينة. يعالج طبيعة "المجتمع البشري" وليس مجتمعاً مخصوصاً. الحديث عند كافكا هو دائماً عن "الإنسان" بعامة وليس عن أناس أية جماعة مخصوصة. لذا فإن إبداع كافكا يُقرأ ويُفهم في سائر أنحاء العالم. "نصوصه الأمثولية تدعو للعمل منه مكتب استعلامات عن الوضع الأبدي أو الحالي للإنسان". هذه الجملة التي كتبها الفيلسوف أدورنو هي جملة أساسية لفهم آثار كافكا (ا. و.).