مسكون بكافكا

تحية للكاتب والأديب ابراهيم وطفي مترجم الآثار الكاملة لكافكا

 

الكاتب والمترجم العربي السوري المقيم في ألمانيا ابراهيم وطفي، يقدم لنا نموذجاً فريداً في الثقافة العربية المعاصرة، فقليلون مثله في ثقافتنا هذه مَن يسكنه موضوع بعينه، فيُخلص له، ويبذل في سبيله الغالي والرخيص (من وقت، ومال، وصحة، وطاقة)، ليقدم لنا في النهاية بكل سعادة وجذل وحبور نتيجة تفانيه وإخلاصه، قانعاً منا بمجرد الشكر والإمتنان، لا غير. إنه لا يهدف إلى الشهرة أو الذهب، وغير ذلك من قشور دنيانا الفانية. فهو قد نال جائزته بالفعل بإنجاز ما كان يتمنى، لا أكثر، وهذا بالضبط هو أجره الغالي الذي لا يقدّر بثمن! نموذج ابراهيم وطفي نادر في ثقافتنا، ولكنه نمط وفير في الثقافة الغربية، من أحدث أمثلته ذلك الكاتب والأكاديمي البريطاني الذي أنفق ثلاثة عقود من عمره لتحرير وتحقيق الأعمال الكاملة للكاتب الشهير جورج أورويل، وكانت سعادته القصوى أنه تمكن من الانتهاء من عمله هذا الذي تفرغ له بكل جوارحه.

أما موضوع أديبنا العربي ابراهيم وطفي فهو نقل كافكا إلى اللغة العربية، والتعريف به التعريف الصحيح والسليم بين المثقفين والقراء العرب، الذين لا يعرفون في كثير من الأحيان شيئاً عن كافكا سوى أنه ذلك الرجل غريب الأطوار الذي ألف قصة عن رجل تحول إلى صرصور! وهذه بلا شك مجرد مصيبة من مصائبنا العديدة، أو التي بلا عدد والتي تشكل مستنقعات ثقافتنا الآسنة. مثقفونا – لنقل أغلبهم، حتى لا نتجنى على الأقلية المغبونة – لا يعرفون مثلاً أن كافكا (ولد وعاش في براغ، وكان يكتب بالألمانية) الذي ينتمي إلى أوائل هذا القرن، كان محرّماً في تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، إذ أدرك حكامها مدى خطورته عليهم رغم أنه لم يفه بكلمة واحدة ضد الشيوعية. لقد حرّموه لأنه أدان التسلط والتعسف والبيروقراطية والعفونة واللؤم، وكلها كما يعرفون من علاماتهم السوداء، والتي لا تزال من علامات الكثير من النظم الاستبدادية. غير أن كافكا لم يكن مناضلاً إيديولوجياً، أو خطيباً مفوهاً. كان كافكا شاعراً مرهفاً، وإنساناً يقترب من مدارج الأنبياء، وفيلسوفاً وجودياً ثاقب البصر حاد البصيرة. وهذا هو كافكا الذي أراد لنا إبراهيم وطفي أن نعرفه.

القراء العرب قرأوا على مدى العقدين أو العقود الثلاثة الماضية بضعة أعمال لكافكا منها رواياته الثلاث المحاكمة والقلعة وأمريكا، وقصته القصيرة الطويلة، أو روايته القصيرة "المسخ" أو "الانمساخ" بتعبير إبراهييم وطفي. بالإضافة إلى عدد من قصصه القصيرة الأخرى. ولكنها كلها مترجمة عن ترجمة إنكليزية أو فرنسية فيما عدا عمل واحد وهو روايته "القصر" التي ترجمها الأكاديمي المصري د. مصطفى ماهر عن الألمانية مباشرة. ابراهيم وطفي يُقدم على ترجمة كل أعمال كافكا عن الألمانية مباشرة. وليست هذه الميزة الوحيدة التي يتميز بها هذا المشروع الطموح، ولكنه يتميز أيضاً بكونه ترجمة منهجية منظمة وعلمية للتراث الكافكاوي. هو إذن ليس مجرد ترجمة عشوائية انتقائية، ولكنه ترجمة متأنية صبورة مرتبة موضوعياً وتاريخياً. كما أن وطفي لا يتميز بمعرفته بالألمانية فحسب، لا، وإنما هو متمرس بها، عارف بدقائقها وخفاياها، فقد سبق له أن ترجم عدداً هاماً من الأعمال الأدبية والمسرحية لكتّاب ألمان آخرين، بالإضافة إلى دقته وحرصه على التوصل إلى أدق ترجمة ممكنة للنص الذي يحتشد لترجمته أكبر الاحتشاد، وليس ثمة حاجة هنا إلى التنويه بلغته العربية الصافية السليمة الدقيقة التي يستمتع بها كل من أسعده الحظ بقراءة أي عمل من ترجمته.

سبق للأديب ابراهيم وطفي أن أصدر كتابين سابقين يضمان عدداً من نصوص كافكا المترجمة إلى جانب كمية كبيرة من المعلومات عن كافكا وكل ما يتعلق بشخصه وحياته وبيئته وزمنه وغير ذلك. لكنه وخلال الأسابيع القليلة الماضية أصدر مجلداً ضخماً يضم ما يزيد على الثمانمئة صفحة (848 صفحة بالضبط) من القطع المتوسط يضم الكتابين المذكورين بالإضافة إلى كتابين آخرين، وبذلك يكون قد قطع شوطاً لا بأس به في مشروعه، ولكنه لم يبلغ ثلثه، أو ربما ربعه بعد، فلا تزال رواياته الثلاث في انتظار الصدور، بالإضافة إلى بقية قصصه القصيرة، ومذكراته أو يومياته وخطاباته، إلا أن رواية "المحاكمة" كما يبدو جاهزة للصدور، إذ أن المترجم / المؤلف أورد قائمة تفصيلية بما يحتويه الكتاب الذي يشملها مع التعليقات والتفسيرات المتعلقة بها كما هي عادته.

وهذا ما يجرّنا إلى منهج وطفي في ترجمة كافكا وتقديمه للقراء العرب، فهو يبدأ بوجه عام بتقديم العمل المترجم، ثم يقدم ما يطلق عليه إشارات وتحليلات وتفسيرات، لا تكتفي بتحليل وتفسير العمل المترجم فحسب، وإنما تضعه في إطار مجمل أعمال كافكا، بل وحياته. هكذا فعل مع قصة "الحكم" في الكتاب الأول، ثم مع "الوقاد" في الكتاب الثاني، ثم مع "الانمساخ" في الكتاب الثالث، ثم مع "رسالة إلى الوالد" في الكتاب الرابع.

ومشروع "الآثار الكاملة" لكافكا باللغة العربية لابراهيم وطفي يتألف من ستة مجلدات على النحو التالي: 1 - المجلد الأول: القصص، 2 - المجلد الثاني: رواية "المحاكمة"، 3 - المجلد الثالث: رواية "المفقود"، 4 - المجلد الرابع: رواية "القلعة"، المجلد الخامس: اليوميات، 6 - المجلد السادس: الرسائل.

ويقول ابراهيم وطفي: "لن ينشر كل مجلد في كتاب واحد، وإنما سيكون هناك تقسيم آخر، قائم على الموضوعات التي عالجها كافكا في آثاره الفنية، سينشر كل قسم منها في كتاب واحد. وستتطابق مجلدات الروايات مع أقسام ثلاثة، في حين سيضم كل قسم من الأقسام الأخرى نصوصاً من القصص واليوميات والرسائل". هكذا مثلاً نجد أن المجلد الذي بين أيدينا يدور حول "الأسرة"، بينما رواية "المحاكمة" التي ستنشر قريباً تقع في إطار موضوع "الذات"، كما نلمح نوعاً من الترتيب الزمني، فما صدر حتى الآن هو أبكر، أو من أبكر ما كتب كافكا.

ويوضح ابراهيم وطفي خطة عمله في هذا المشروع الضخم الذي يستحق كل تشجيع من قبل الأشخاص والمؤسسات الحكومية العربية، وغير الحكومية، فيقول: "كتب كافكا آثاره الفنية الأربعة المجموعة في هذا الكتاب خلال ستة أسابيع. وأمضيت في إعداد هذا الكتاب تسع سنوات دون انقطاع، باستثناء نحو ستة أشهر بسبب مرض. أي أن الوقت الذي أمضيته في ترجمة وإعداد هذه الآثار الأربعة يبلغ نحو 73 ضعفاً من الوقت الذي قضاه كافكا في كتابتها (هذا الفرق في الزمن قد يناسب الفرق بين عبقري كتابة ومستخدم)". ويواصل: "لكن هذا لا يعني أن كل كتاب من (الآثار الكاملة) سيحتاج إلى مثل هذه المدة. لقد احتاج كتاب (الحكم) إلى خمس سنوات عمل، أما كتب (الوقاد) و (الانمساخ) و (رسالة إلى الوالد) فقد احتاجت إلى ثلاثة أعوام ونصف العام. وكل كتاب من الكتب القادمة سيحتاج إلى مدة أقل. والسبب هو أنني عندما بدأت في إعداد كتاب (الحكم) إنما بدأت في إعداد (الآثار الكاملة). لم أعد بحاجة إلى بحث عن مصادر واختيار دراسات وقراءتها وإعداد تحضيرات ... إلخ، فهذا أنجزته فيما يتعلق بمجموع (الآثار الكاملة). كما أن حجم الدراسات سوف يقلّ – بعد الكتاب التالي – إذ أن القارئ العربي سيكون قد (مسك الخيط)، ولم يعد بحاجة إلى تفسيرات كثيرة كما جاءت في هذا الكتاب".

يقول ابراهيم وطفي: "عاش كافكا أربعين عاماً وأحد عشر شهراً. وأمضى طيلة حياته العملية موظفاً. ولم يتح له التفرغ لكتابته. كان يكتب في أوقات فراغه وأيام العطل وفي الليالي. وأبدع كل آثاره – في فترات متقطعة – خلال أحد عشر عاماً ونصف العام، بين أيلول 1912 وآذار 1924. ومات قبل أن يكمل رسالته. مات معدماً. لكن دار النشر الألمانية، التي تنشر كتبه حالياً، تكسب ملايين الماركات كل عام من هذه الكتب. وقد يكون السؤال جائزاً: ماذا كان كافكا جديراً أن يكتب، لو أتيح له التفرغ لكتابته، وأتيحت له حياة طويلة؟". ويختتم وطفي كلمته هذه بالسطور التالية: "ومترجم كافكا عاش طوال حياته "العملية" مستخدماً، يترجم في أوقات فراغه وأيام العطل وفي الليالي، لكنه – على عكس كافكا – لم يجد حتى دار نشر تنشر هذه (الآثار الكاملة)". وتكشف هذه السطور الأخيرة عن مدى شعور المترجم بارتباطه العميق بكاتبه، فيجد تطابقاً كبيراً بين حياتيهما. كما أنها تكشف عن مدى المشقة التي يواجهها المترجم من أجل نشر مشروعه الهام. وهنا نعيد مرة أخرى نداءنا لكل من يستطيع المساعدة الجدية في إخراج هذا المشروع للنور.

وبالإضافة إلى ما يضمه هذا المجلد الضخم من نصوص لكافكا، ومن كتابات عديدة تحليلية وتفسيرية وتعريفية مما يعدّ معها بمثابة كنز أو منجم من المعلومات عن كافكا ينشر لأول مرة باللغة العربية، فإن به عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لكافكا في مراحل عمره المختلفة، وكذا أفراد أسرته، مع صور لخط يد كافكا، وكذا لأغلفة كتبه بالألمانية.

تحية حارة للكاتب والأديب ابراهيم وطفي، متمنين له إتمام مشروعه كما يأمل، فهذا – ومن المؤكد أنه سيوافقنا – هو خير جائزة يتطلع إليها قبل وبعد أي شيء آخر.

السيد حسين

"العرب" (لندن)، 29/7/1999

 

 

عن كافكا

 

ما زلت أذكر انبهاري الشديد عندما اكتشفت فرانز كافكا في الستينيات من القرن الماضي، أنا مدين للدكتور مصطفى ماهر بتعرفي على عالم هذا المبدع العظيم والذي أعتبره إحدى العلامات الأساسية في الفن الروائي المعبّر عن الوضع الإنساني تجاه الوجود المحدود واللامحدود، تماماً مثل دون كيشوت لثرفانتس وموبي ديك لهرمان ميلفيل وشهرزاد ألف ليلة وأعمال ديستويفسكي الذي يُعتبر كافكا امتداداً له بشكل ما. لقد طرح ديستويفسكي أسئلة الوجود الإنساني من خلال شخصياته الخصبة المضطربة، وهكذا مهد للموقف الكافكاوي من العالم. ثمة صلة وثيقة أرجو أن تتناولها الدراسات الأدبية العربية.

رغم غرابة عالمه وكابوسيته يبدو مألوفاً، وكأننا جزء منه. يستيقظ بطل المسخ ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة، ورغم غرابة التحول إلا أن هذا يبدو منطقياً في إطار العمل الفني، بل إننا من خلال التفاصيل الدقيقة الواقعية التي يوردها المؤلف ولكن في بنية مغايرة للمألوف يشعر كل منا أنه تلك الحشرة. التفاصيل شديدة الواقعية، إنها مفردات واقعنا، غير أنها مصاغة في سياق مغاير يخلق واقعاً خاصاً، غريباً، لكنه جد مألوف لنا، شيئاً فشيئاً نشعر أننا جزء من هذا العالم. عندما قرأت "القضية" توحدت بالسيد (ك) الذي استيقظ أيضاً ذات صباح ليجد نفسه متهماً بتهمة لا يعرف عنها شيئاً، وسرعان ما يبدأ رحلة رهيبة رغم أنها تبدو عادية جداً في دهاليز المحكمة التي وجهت التهمة والتي لا يعرف (ك) طبيعتها او من المسئول عنها تماماً. نجح الدكتور مصطفى ماهر في ترجماته التي نشرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب في نقل إيقاع كافكا اللغوي إلى العربية. هذا ما شعرت به. عندما قرأت القضية والقصر، أدركت خصوصية اللغة عند كافكا، وعندما قرأت الدراسات الأجنبية عنه فهمت بالتفصيل ما أدركته في مجمله. إنها لغة مباشرة، في صفاء البللور كما يصفها رونالد جراي في كتابه عن كافكا الذي ترجمه نسيم مجلي في المجلس الأعلى للثقافة وصدر عن المشروع القومي. إنها لغة لا تنبئ إلا بما تعبّر عنه، لكنها تبني عالماً من الأحلام الكابوسية والرؤى يؤدي إلى أعماق لا نهائية.

علاقة كافكا بما كتب، بل إن سيرته الخاصة تبدو كأنها عمل من إبداعه، علاقته بالأب والتي تتجسد في رسالته الشهيرة إلى والده بالإضافة إلى قصة "الحكم"، النص المؤسس لكل أعمال كافكا، وننشره في هذا العدد بترجمة ابراهيم وطفي، الأديب السوري المقيم في ألمانيا، وهو أحد اثنين آخرين أوقفا حياتهما لدراسة كافكا. الآخر هو الفنان التشكيلي الدسوقي فهمي والأديب، قرأ كافكا فضرب به أو لطش به، قرر أن يتعلم الألمانية ليقرأه في لغته الأصلية وترجم لنا روايته (أمريكا) والعديد من النصوص الأخرى التي نشرنا العديد منها في "أخبار الأدب". أما ابراهيم وطفي فقد أصدر مجلدين خصص الأول للأعمال الأولى، وقدم دراسات عميقة وشروحاً تعدّ الأولى من نوعها في ترجمة الأعمال الأدبية إلى اللغة العربية، أما المجلد الثاني والذي يقع في أكثر من سبعمائة صفحة فقد خصصه لرواية "المحاكمة"، وأتمنى أن يصدر المجلدان في المشروع القومي للترجمة، وأن تصدر الأعمال الكاملة لكافكا التي بدأها المترجم الشاب علاء عزمي والذي ظهر بقوة من خلال "أخبار الأدب" وترجمته الرائعة لكتاب تشيخوف في صور. وقد بذل جهداً كبيراً في هذا العدد مع الزميل حسن عبد الموجود وقد توليا التحرير بالكامل طبقاً لما اعتدنا عليه في "أخبار الأدب" عند إصدار عدد خاص. خلال حياته نشر كافكا ستة أعمال قصيرة، وقرب نهاية حياته القصيرة طلب من صديقه ماكس برود أن يحرق كل ما كتب. موقف يذكرنا بما أقدم عليه أبو حيان التوحيدي عندما أحرق بنفسه ما كتب. غير أن ماكس برود حافظ على الأعمال ولم يحرقها، وبذلك أنقذ تراثاً إنسانياً رائعاً كان ممكناً أن يفنى. إنني أعتبر كافكا واحداً من أعظم المبدعين في تاريخ الإنسانية، ولا يعنيني من يهوديته إلا أبعادها الثقافية كما ظهرت عنده، ولا أتفق مع الآراء القائلة بصهيونيته. أفق كافكا ورؤيته وإبداعه أشمل بكثير، إنه كوني الموقف بكل المعاني. إننا نقدم هذا العدد الخاص تكريساً لحضور كافكا في لغتنا العربية. لا نرتبط بمناسبة معينة أو تاريخ محدد، حتى وإن بدا ميلاده 3 يوليو ورحيله 3 يونيو قريباً من صدور هذا العدد. إنه كاتب عظيم ومبدع كبير نحتاج إليه في كل وقت.

جمال الغيطاني

"أخبار الأدب" (القاهرة)، 5/7/2005

 

 

ضرورة كافكا

 

لم يكن غريباً أن يحتل كافكا هذه المكانة على صفحات "أخبار الأدب" منذ صدورها وأن تنشر له كل هذه النصوص، فهو واحد من كبار الأدباء الذين أثروا، وانتقل تأثيرهم من جيل إلى جيل، بل إن بعض هذه الأجيال تأثر به دون أن يقرأ كثيراً من نصوصه، إنما من خلال المتأثرين المباشرين به.

واللافت للنظر أن المتأثرين به لم يقلدوه، بل تأثر أكثرهم بالرؤية العامة لكافكا، وأضافوا إليها وطوروها، وهو التأثير الذي يمكن تلمسه في أدباء كثيرين من أرجاء كوكبنا، وليس في بلادنا وحدها، ربما لأن هؤلاء وأولئك وجدوا أنفسهم فيه، وشعروا به يعبر عن أشواقهم ومخاوفهم بكل هذا اليسر، يكاد أن يكون كافكا موقفاً من العالم، وليس مجرد كاتب انخرط في التجديد الجمالي وأنجز فيه الكثير، يكاد أن يكون "حالة" تشبه الإشراق الصوفي و"طريقة" في المكابدة و"محاولة" لمواجهة الرعب المسيطر.

وعلى الرغم من أن هناك الكثير مما يمكن قوله عن كافكا، إلا أنه مثل نصوصه يبعث على الحيرة، فمن أين أبدأ، وكيف يملك هذا النحيل الواسع العينين والذي كتب كل هذه النصوص في أحد عشر عاماً فقط، كيف يملك كل هذا السحر المتسلل حتى آخر الروح؟

في بداية الأمر، وفي النصف الثاني من الستينيات، تعرفت عليه من خلال ترجمات الصديق الفنان الكبير الدسوقي فهمي في ملحق الراحل عبد الفتاح الجمل في "المساء". سحرني شأن كثيرين في "أبحاث كلب" و"الجحر" وغيرهما من القصص إلى جانب رائعته القصيرة "أمريكا" برسوم الفنان الكبير الدسوقي فهمي ثم في مجلة "جاليري 68"، وبعد ذلك ترجم له د. مصطفى ماهر عملين فطوق أعناق قراء وكتاب الستينيات ومن بعدهم بدَين كبير وهما "القضية" و"القصر".

تأكد سحر كافكا بهذه النصوص، وتأكدت محبته على الرغم من أن حياته كانت مجهولة في ذلك الحين، كان مجرد تشيكي يكتب بالألمانية، دون أن أفهم السبب، غامض تقريباً وربما قيل إنه يهودي، أي أن هذا لم يكن مهماً، فالنصوص المتاحة كانت خالية من الإشارات الدينية أو الصهيونية التي كان ممكناً أن تصنع حاجزاً.

أما ما كان مؤكداً فهو هذه الدقة والصفاء والكتابة الموقّعة من جراء هذه الدقة الفريدة، والإحكام وعدم التزيد والخلو من الحواشي والرفض الحازم للمجاز المباشر. يملك كافكا رعباً لا حد له من أولئك الأشرار المتربصين بنا دون أن نقترف ذنباً. لذلك فإن سحره يكمن في دقته وصفائه، وفي الوقت نفسه في الارتباك والغموض الذي يسود كامل النص. أود أن أؤكد على ذلك، فإن أشد سمات كافكا سحراً هو الدقة والغموض في الوقت نفسه. وربما لهذا السبب، أي سهولة نثره وجمله الواحة شبه التقريرية، كانت أمراً يمكن التأثر به دون أن تدري، فهو واضح صافي، والمشكلة هي الغموض الذي يسود النص في النهاية. كافكا إذن كان بالنسبة لي حالة من الإشراق الصوفي لا تتكرر ولا يمكن التأثر بها إلا بوصفها حالة كلية إن جازت العبارة، إحساس ما، موقف ضد الرعب الذي يسببه الأشرار والكراهية التي يضمرونها لنا.

وعندما ترجم كتاب روجيه جارودي "واقعية بلا ضفاف" كان يضم دراسة طويلة عن كافكا، وفي هذا الوقت بالتحديد تأثر أكثر أبناء هذه الأجيال بالماركسية، لذلك كانت دراسة جارودي الذي كان ما يزال ماركسياً، إلا أن رؤيته اتسعت لتعيد اكتشاف كافكا بوصفه كاتباً ضد الظلم والشر والقمع والقهر والرعب، بوصفه ساعياً للتمرد على كل ما يكبل الإنسان. أتذكر أن هذه الدراسة كانت مفيدة للغاية بالنسبة لي، فقد أدركت لماذا أنا مسحور كل هذا السحر به ولا أملك أن أرد سطوته التي تصل إلى أعماق الروح. كافكا خائف دوماً، بل مرعوب ومهدد دائماً، ليس من قوى ميتافيزيقية، بل من واقع عيني، حتى لو كان التحول إلى صرصار مقلوب على ظهره ينتظر الموت والكنس إلى خارج بيته.

واستمرت علاقتي بكافكا بعد ذلك، حتى على الرغم من قراءتي لكتّاب كبار أحببتهم وهم مختلفون مع كافكا أشد الاختلاف، فما الذي يجمع تولستوي وفوكنر وفلوبير وبروست مثلاً بكافكا؟ صحيح انني لم أعد قراءته إلا مؤخراً بفضل الإنجاز الضخم الذي قدمه الناقد والمترجم السوري الكبير إبراهيم وطفي الذي لم أتشرف بمعرفته. قضى وطفي جانباً كبيراً من حياته متوفراً وعاكفاً على قراءته وترجمته والكتابة عنه وعن العلاقة بين أعماله وحياته على نحو لم أصادفه من قبل.

ولما كنت قد قرأت قبل هذا بفترة قصيرة رسائله إلى ميلينا التي ترجمها الصديق الدسوقي فهمي، ومجموعة تضم أقاصيص قصيرة وكتابات غير كاملة ونصوص متناثرة تحت عنوان "سور الصين العظيم"، فإن قراءة ما كتبه وترجمه إبراهيم وطفي أعادت اكتشاف كافكا مرة ثالثة.

أثارني بشدة مثلاً ما كنت قد لاحظته من قبل ولم أجد تفسيراً له، وهو أن أغلب نصوصه غير كاملة، بل إنه كان قد أوصى صديقه ماكس برود بحرقها قبل رحيله. لم ينشر كافكا في حياته إلا جانباً قليلاً جداً من أعماله. لم يكن ما يهمه إذن أن يصدر كتباً، بل مجرد أن يواجه الرعب ويدينه ويعريه ويكشف وجهه القبيح المختفي خلف السلطة الأبوية والسياسية والاجتماعية.

أتاح لي إبراهيم وطفي أن أتأمل حياته والأماكن التي عاش فيها وعلاقته بأبيه وفشله في علاقته بكل النساء اللائي عرفهن والطريقة التي كان يكتب بها وسيرته الذاتية وتواريخ كتابة أعماله.

أدركت أن كافكا كتب نصاً واحداً ليدافع عن نفسه، كل أعماله نص واحد متكرر، إلا أنه يسبب آلاماً متجددة غائرة. الجنود الذين يحتلون مدينة في إحدى قصصه يبدون في البداية مجرد عابرين، لكنهم سرعان ما يحتلونها ويذلون أصحابها. مستعمرة العقاب وتلك الآلة الجهنمية المسلطة على الأبرياء. الصبي كارل روسمان الذي ارتكب الخطيئة الأزلية حين أكل ببراءة من تفاحة آدم فألقي به إلى الجحيم الأمريكي، ك وهو الحرف الأول من اسمه كما هو واضح وقد تحول إلى حشرة ذات صباح لعين، هو نفسه من يحاكم في جريمة غامضة لم يرتكبها، وهو نفسه أيضاً من نجده متوجساً وهو يتأمل القلعة.

نص واحد متكرر في منمنمات ذات إيقاع واحد، إلا أن كل منمنة هي عالم كامل.

كان كافكا الذي سعى طوال عمره القصير إلى انتزاع حقه في الكتابة، وبسببها فشل في كل شيء، إلا أنه أخلص لها ومنحها كل نفسه، كان يكتب دائماً في حالة إلهام متوقد، أنهى قصته الأولى "الحكم" في ست ساعات متواصلة. على مدى 11 عاماً كتب آلاف الصفحات من النصوص والرسائل والكتابات العصية على التصنيف وأغلبها غير كامل ولم يقم بتحقيقه وإعادة تحريره.

وإذا كنت قد قرأته في بدايات شبابي المبكرة، إلا أنني أعدت قراءة الكثير من أعماله في كهولتي. ولشد ما أدهشني أنه ما يزال طازجاً كأنه كتب في أيامنا هذه. كأنه يعيش بيننا ويواجه ما نواجهه. لذلك ما زال هذا النحيل بعينيه المرعوبتين صالحاً لإثارة كل هذا التوجس والخوف من آلات العقاب المنصوبة للجميع، ومن القضايا التي يمكن تلفيقها للجميع، ومن هذا العالم الذي يبدو كأنه "ماكيت" لعالم آخر غامض مختفي في مكان ما.

سأكون أكثر إيغالاً في المباشرة وأقول إن كافكا عالج الدولة البوليسية في أكثر صورها وحشية وانتهاكاً للخصوصية، غير أنه لم يفعل ذلك متعمداً، أو راغباً في مجرد الإدانة وحدها. كان كافكا يتحدث عن نفسه، عن علاقته بأبيه وبعمله والنساء اللائي عشقهن والبشر الذين عاش بينهم. أكاد أجزم أنه كان من الذكاء والحساسية بحيث لم يتورط ، ونصوصه تشهد على ذلك، في أن يربط مثلاً بين سلطة الأب وسلطة الدولة على نحو ميكانيكي.

كافكا إذن فيما أظن قريب منا إلى أقصى حد، وما زالت ملامح العالم التي كانت سائدة في بدايات القرن الماضي هي نفسها التي نعيشها في بدايات هذا القرن. لم تستطع الإنسانية أن تتجاوز محنتها، ولا حققت الأمن، ولا أجهزت على الاغتراب، بل ازدادت المحن وتجاوزت الدولة القامعة كل كوابيس كافكا وعذاباته. لو استيقظ كافكا الآن وأطل علينا لمات رعباً مرة أخرى بلا أي مبالغة. فقط لننظر حولنا في أركان الكوكب الذي نعيش فيه.

بقي أن أشير إلى ما تردد في أواخر السبعينيات حول "صهيونية" كافكا ... والحقيقة أنني منذ هذا الوقت وأنا غير مقتنع بأي إشارات تدل على أن كافكا كان صهيونياً. وبالنسبة لي حسم كتاب العلاّمة إبراهيم وطفي هذه القضية نهائياً، فقد أورد نصوصاً محددة ووقائع بعينها أقنعتني تماماً.

إن كافكا أوسع كثيراً من أن نسجنه في قفص العنصرية الصهيونية، فهو لم يكن أصلاً قادراً على الحلم بأي عدالة أو سعادة أو بهجة تتحقق في أرض ميعاد سواء في فلسطين أو في أي مكان آخر، فضلاً عن النصوص القاطعة التي أوردها إبراهيم وطفي في المجلد الأول من عمله الضخم "الآثار الكاملة" لكافكا.

محمود الورداني

"أخبار الأدب" (القاهرة)، 5/7/2005

 

 

خيانة كافكا

"لا يزال الليل ليلاً أقل من اللازم"

 

كل عودة جديدة لقراءة أعمال فرانز كافكا هي خيانة لوصيته "احرق كل هذه الخربشات"، التي لم ينفذها صديقه ماكس برود. ذلك لأن هذه القراءة تضعنا وجهاً لوجه أمام رجل لم نكتشفه بعد، وكنا من قبل قد توهمنا معرفته.

حنيننا إلى كافكا الذي نظن أننا عرفناه وخبرنا عالمه يمحقه كافكا الذي نلتقيه، كما لو أننا نلتقيه أول مرة. حتى يخيل لي أن أطنان الورق التي كتبت من أجل أن تفسر رموزه وتحصي غرائبه وتتنفس هواءه المكتظ بالمعجزات لم تزح القناع عن وجه ذلك الكاتب الذي اعترف أن حياته تتألف من محاولات للكتابة، بل زادته غموضاً ووضعته في المكان المسيج بالشبهات. فكل قراءة جديدة لأدب كافكا إنما تضع القراءة التي سبقتها في موضع الشك، بالرغم من أن القارئ وهو يُقبل على قراءة كافكا يدرك جيداً أن كافكا الذي قرأه سابقاً لم يكن إلا وهماً، وهو يسعى إلى أن تهديه القراءة الجديدة إلى الحقيقة. غير أن الطريق التي تقود إلى كافكا غالباً ما تنزلق إلى طرق فرعية هي التجسيد الأمثل لمتاهة رجل قال في طلب العزلة: "لا يزال الليل ليلاً أقل من اللازم". تزيحه العودة إليه من المكان الذي احتله في الذاكرة لتحشر كافكا جديداً، هو مصدر أسئلة تطل بمطالب تأويلية لم تتصالح معها من قبل. وكما يبدو لي فإن كافكا، الذي لا يتجاوز عمره الأدبي الأحد عشر عاماً ونصف العام (أيلول 1912 إلى آذار 1924) والذي لم ينشر في حياته أكثر من مئتي صفحة، كان يعرف أن سر الشقاء الذي اكتشفه مبكراً والذي أفصح عنه في رواياته الثلاث التي لم ينشرها في حياته، سيكون محور الحياة الواقعية في المستقبل، لذلك أوصى بحرق تلك الروايات، ذلك لأنها من وجهة نظره لا تنطوي على أية وصفة أو حل بقدر ما تضيف فكرة أخلاقية غريبة إلى سجل الخلود العامر بالأفكار التقليدية التي نذعن لها مستسلمين كالحب والتضحية والإيثار والفداء .. الخ. الإذلال هو الفكرة الخالدة الجديدة التي أضافها كافكا، والتي استحق الوقوف أمامها كل هذا التلفت التي عبرت عنه أطنان الورق التي حملت كتابات عن أعماله الروائية. "لا بدّ أن أحداً قد افترى على يوزف ك.، إذ اعتقل ذات صباح دون أن يكون من شأنه قد فعل شراً". جملة كافكا الأولى في روايته "المحاكمة" رددتها ملايين الألسن فيما بعد في عصرنا الغاص بالظلم والاستبداد. حتى أنها صارت جملة عامية مشاعة ومبتذلة واستهلاكية وقد لا تعني شيئاً محدداً. فهي لا تقول إلا ما لا يمكن إدراكه وفهمه بيسر: آليات عمل السلطة في مواجهة الفرد. ولأن السلطة مفهوم تجريدي عثر الإنسان من خلاله على قوة من نوع ما، فقد صارت عنواناً لإذلال الآخر الذي يكفي أن يكون آخر سبباً لإلحاق الأذى به. صار العالم كافكاوياً بعد كافكا. بالتأكيد كان العالم كذلك قبله، غير أن الجملة تلك لم يكتبها أحد قبله. لقد مهد كافكا للاعتراف الذي صار جزءاً من يوميات البشرية من تشلي إلى الصين. كان هناك دائماً يوزف ك مُفترى عليه يُقاد إلى السجن من غير أن يفعل شراً. صار كافكا صفة. وهذا ما أوقعنا في سوء الفهم. صار كافكا عنواناً للتشاؤم والسوداوية والرعب. يقال إن كافكا من وجهة نظر مواطنيه التشيكيين كان كاتباً فكاهياً. قراءاتي لرواياته لم تؤهلني حتى الآن للوصول إلى استيعاب هذه القناعة الغريبة. غير أني أفكر بالمسافة التي تفصلنا عنها وعن زمانها، وهي مسافة يحرسها سوء الفهم. فهل كان كافكا على سبيل المثال ينصت إلى مخيلة مريضة، هي نتاج غربته الشخصية المركبة، أم أنه كان يرعى نبوءة حرص على أن يبقيها خفية بعد موته؟

غالباً ما يبدأ كافكا قصته بالجملة التي تقول كل شيء، جملة هي أشبه بالخاتمة. كما لو أنه يكتب بالمقلوب، الرجل الذي يعد اليوم واحداً من أعظم كلاسيكيّ الكتابة المعاصرة. تقنيته الصادمة تلك تضع قارئه في حاضنة قراءة جديدة، تعيد تربيته قرائياً، فالجملة التي تقول كل شيء تظل معلقة إلى النهاية مثل علامة استفهام. لذلك يمكنني القول إن كافكا سعى إلى أن يكون له نوع استفهامي من القراء، نوع يشبهه ويتشبه بأبطاله المدفوعين إلى مواجهة مصائر غريبة عنهم. تقول الجملة الأولى في روايته "التحول"، المعروفة عربياً باسم "المسخ": "حين أفاق غريغور سامسا ذات صباح من أحلام مزعجة، وجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة ضخمة". تبدأ الرواية إذن من لحظة النهاية. لقد انتهى الكائن البشري الذي كانه سامسا لتبدأ سيرة الحشرة الكامنة في أعماقه، تلك الحشرة التي ما كان من الممكن أن ترى النور لولا التجارب المريرة التي عاشها سامسا والتي جعلته بمثابة مختبر للمهانة والإذلال والعزل والتهميش. بعد هذا التحول يعيش القارئ عبث القراءة الممتع، ففي الوقت الذي تتابع الحشرة سيرتها فإن هناك جانباً إنسانياً مقاوماً يمتد على أرض مليئة بالاكتشافات غير السارة، هي الأرض القلقة التي يضع كافكا قارئه عليها. يتضح للقارئ أن غربة سامسا في هيئته حشرة هي ذاتها غربته كائناً بشرياً. إنه كائن فائض وغير ضروري، كان تشرده صنعة تجلب الاطمئنان إلى الآخرين وتذيقهم نعمة الكسل. قارئ كافكا لا يكف عن السؤال وهو يتنقل بين السطور بحثاً عما يمكن أن يجعل خاتمة حياة سامسا مجرد نوع من الدعابة التي يمليها تعب عابر، غير أن تلك الأمنية تصطدم بالنهاية الحزينة التي تجعل من سؤال القارئ ضالة كافكاوية. أتساءل الآن:

لماذا أتعب الكثيرون (في مقدمتهم يقف الشيوعي التائب روجيه غارودي) أنفسهم من أجل إثبات واقعية فرانز كافكا؟ ذلك لأن كافكا كان ولا يزال أكثر كتّاب عصرنا واقعية، بل إن واقعيته تكاد أن تلهم الواقع مزيداً من الواقعية الفجة. أتذكر أني وقفت ذات مرة أثناء تجوالي في متحف سويسري أمام كلب جياكومتي المذعور وصرت لا أفكر إلا بذعري الذي جعلني أجد في الكلب نبوءة لما انتهيت إليه شخصياً. من المؤكد أن هناك الملايين من البشر قد انتهوا إلى الاقتناع بعد قراءة "التحول" أن سامسا لم يكن إلا مرآة نبوئية لهم، لمجيئهم ملتبسين بأبهة الخوف والغربة والتشرد والنزق الهامشي. حضورهم المتأخر لا يعني عجائبية العالم الذي ابتكره كافكا. بإمكانهم أن يقولوا: جئنا متأخرين عن الحقيقة، وبذلك تعود كل كلمة كتبها كافكا إلى مكانها الواقعي. لقد وقف الكثيرون حائرين أمام سؤال من نوع: من ينتسب إلى الآخر، الواقع أم كافكا؟ بمعنى هل كان كافكا واقعياً أم أن الواقع صار كافكاوياً؟ في الحقيقة إن كافكا كان في الدرجة الأساس كافكاوياً، بالمعنى الذي يجعل من حياته الشخصية وهي التي لم تتخط الأربعين إلا بأشهر معدودة مقياساً لخبرة الضنى الكوني كله. نظر كافكا إلى حياته الشخصية من جهة بُعدها الرمزي، كونها حياة محتملة لا تخص فرداً بعينه وإن كانت قد اختارته ضحية لها. لذلك لم يكن الوصف شاغله بل كان يقول الحقائق التي اختبرها من جهة حساسيته، مبدعاً حضر في لحظة إلهام تارخي. كان تشارلز ديكنز يلح عليه ولم يكن يملك الخيال المرح الذي يلهمه أبطالاً على هيئة "أليس في بلاد العجائب".

لذلك لم تكن واقعية كافكا معجزة تأويلية، بل إن بإمكان إعادة قراءة كافكا أن تشعرنا بالخيانة، لا لأننا لم نحرق خربشاته، بل لأننا لم ننصت إليه جيداً، حيث كان بإمكان الإنصات إليه أن ينقذنا من الذهاب إلى المصير الذي انتهى إليه سامسا.

فاروق يوسف

"القدس العربي" (لندن)، 10/7/2005

 

 

عندما يكون القارئ قريناً غامضاً:

وطفي وأخريف ضيفان مسحوران على مائدتي كافكا وبيسوا

                                                                

1 - "أرجو أن تعتبرني حلماً"، كان بإمكان الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا أن يقولها بدلاً من الكاتب الألماني (تشيكي المولد والحياة) فرانز كافكا. ولكنه قالها فعلاً عن طريق أقرانه الشعراء الثلاثة الذين اخترعهم ليؤسس كل واحد كياناً شعرياً مفارقاً ومغايراً له. بطريقة أشد قسوة قالها الروائي خوسيه ساراماغو حين كتب روايته الحزينة عن ريكاردو رييس، أحد أولئك الأقران المحتملين. في "هذيان" روايته الصغيرة يقف الروائي الإيطالي أنطونيو تابوكي بأولئك الأقران حول سرير بيسوا في لحظة احتضاره، هذا ما أراد تابوكي قوله بشاعرية جارحة. أما كافكا فإنه لم يتح له سوى أن يعيش حياة واحدة، خرج منها خائباً، غير أن خيبته لا تزال تطاردنا مثل نمر مذعور. حضر الإثنان من أجل أن يغيبا وغابا حين شعرا أن حضورهما صار ممكناً. وهذا بالضبط ما تفعله الأحلام.                                                            

2 - "ثمة الكثير من التفكير الميتافيزيقي في انعدام التفكير في أي شيء / ما هي الفكرة التي لديّ عن العالم؟ / ماذا أعرف أنا عما لديّ من أفكار عن العالم؟ / سأفكر في هذا كله، / عندما أسقط مريضاً."

أبيات بيسوا، عفواً قرينه البرتو كاييرو، يمكن إضافتها إلى رواية "التحول" أو "الانمساخ" بلغة ابراهيم وطفي. لا أظنها ستحل طارئة مثل لطخة، لن تكون حشواً مستعاراً، بل قد يتخلى كافكا نفسه من أجل أن يضمها إلى كتابه العزيز عن الكثير من سطوره المكتوبة بعناية تقنية فائقة. غير أنه لم يعثر على تلك الأبيات، لا لأنها لم تترجم إلى واحدة من اللغات التي كان يتقنها، بل لأنها قد لا تكون قد كتبت يوم أتم كتابة روايته الصغيرة تلك. ولكن هل كان لزاماً لتلك الأبيات أن تُكتب من قبل الشاعر البرتغالي لكي تكون موجودة؟ كل سطر من رواية كافكا يذكر بها، لقد بدأت المعرفة لدى غريغور سامسا بعد أن عجز عن مغادرة سريره بهيئته الجديدة، التي هي هيئة حشرة. ألا يسلمنا هذا الحدث الملهم إلى المرض الذي أشار إليه (كاييرو) بيسوا، ذلك المرض الذي يضعنا في قلب فكرتنا عن العالم لا في قلب العالم، ليلغمنا بالأسئلة ويبعثرنا حسرات.

3 - لا يزال تسلسل فصول "المحاكمة" رواية كافكا الأهم تحيّر الباحثين، وهذا بالضبط ما فعله كتاب "اللاطمأنينة" (بلغة مهدي أخريف) لبيسوا. الدفاتر التي ضمت الكتابين غير مرقمة والفصول لا تحمل أية إشارة تدل على تسلسلها. باستثناء الفصلين الأول والأخير فإن رواية كافكا أخضع تسلسل وقائعها لاجتهادات كثيرة، كذلك كتاب بيسوا، لا تزال قراءته ممكنة بمزاج مرح لا يخضع القراءة لتسلسل بعينه. يأس الكاتبين (وهما الأكثر ضجراً من بين كتاب عصرنا) لا يفسر وحده تلك الفعلة، بل يمكنني تخيل أنهما كانا يلهيان بغية العثور على قارئ من شأن عبقريته أن تقود كتابيهما إلى شكليهما الأصليين، اللذين صارا مع الزمن نوعاً من الألغاز المضافة. يقول بيسوا: لم أتمكن قط من قراءة أي كتاب باستسلامي كلية له، دائماً مع كل خطوة يأتي التعليق من الذكاء أو الخيال على المقروء ليوقف تسلسل السرد. بعد دقائق أصبح أنا كاتب الكتاب، وما هو مكتوب فيه لا يغدو موجوداً في أي كتاب.

4 - يقترح ابراهيم وطفي صفته، قارئاً لكافكا، وهذا ما يفعله المهدي أخريف بالنسبة لبيسوا. للوهلة الأولى يبدو الإثنان على قدر هائل من التواضع الأخلاقي إزاء حقيقة ما فعلاه، ترجمة وبحثاً وتقصياً وتأليفاً. ولكن إغواء ذلك التواضع سرعان ما يشف عن حقيقة مفهوم القارئ لدى الكاتبين، وهو ما حاولا من خلال جهدهما الدؤوب والمتأني والصبور والمتقن والمتأنق أن يتسللا به إلى الثقافة العربية. وهو المفهوم عينه الذي انطوى عليه تعليق بيسوا السابق: القارئ الذي يستولي على الكاتب، يصيره في لحظة خلق مناوئة، لا ينتحله بل يكمل طريقه وإن بعُدد وأدوات قياس أخرى. القارئ هنا لا يعيد الكتابة عن طريق لغة أخرى وهو يترجم وحسب، بل وأيضاً يطرح للتداول ما انتهت إليه بصيرته من كشوفات رؤيوية. لقد أباح وطفي على سبيل المثال لنفسه أن يقترح تسلسلاً جديداً لفصول رواية كافكا "المحاكمة"، وما كان ليقوم بذلك لو أنه وهو المولع بكافكا عشقاً، قد شعر أن فعلته ستحدث خدشاً ما في سيرة تلك الرواية العظيمة، بل إن تماهيه مع كافكا هو الذي أملى عليه إلهاماً من هذا النوع. وطفي وأخريف (قد لا يعرف أحدهما الآخر) نموذجان للقارئ الفريد من نوعه، ذلك القارئ الذي اقترحه بيسوا ويئس كافكا من العثور عليه، وهو القائل: لا أصبو إلى نصر. ولكن ألا يُعدّ ظهور قارئ بمستوى ومن نوع وطفي أو أخريف بمثابة نصر للكتابة؟

5 - منذ ثلاثين سنة قرأت كافكا. كل رواياته كانت مترجمة إلى العربية. غير أنني حين قرأته بلغة ابراهيم وطفي، أيقنت أن ما كنا نعرفه لم يكن كافكا، بل ظله. لقد اخترعنا شبح كافكا لأننا كنا في حاجة إليه. اكتفينا بذلك الشبح، إلى أن ظهر وطفي، ليجلب لنا الأصل، فالرجل قضى السنوات الثلاثين التي قضيناها ونحن نتملى وهم كافكا في مرايانا، وهو يبحث عن حقيقة كافكا. فِعل نادر هو أشبه بالمعجزة في حياتنا وثقافتنا العربيتين، أن ينذر مثقف حياته كلها من أجل كاتب عالمي بعينه، هل أقول من أجلنا؟ ما فعله وطفي فعله أخريف هو الآخر، حين أهدى العرب شاعراً ضرورياً وحاسماً في حداثته هو بيسوا. بعدهما يمكننا القول: إننا نعرف كافكا وبيسوا، نعرفهما كما لو أنهما كتبا من أجلنا، وهما فعلا ذلك بالتأكيد. يخبرنا وطفي بأسماء عدد كبير من قراء كافكا الألمان، أولئك الباحثين الذين نذروا أنفسهم كما فعل وطفي نفسه من أجل أن يكون غموض الكاتب الذي شغفوا به واقعياً وعميقاً. فيما يستعين أخريف بالشاعر المكسيكي أوكتافيو باث من أجل أن يعينه على اكتشاف الشاعر البرتغالي، وأنا على يقين من أن أخريف يمتلك الفضول عينه الذي لدى وطفي، من جهة ذهابه اللاهث إلى قراء شاعره المفضّل الآخرين، باحثاً لديهم عما يمكن أن يسند دوره الريادي في القراءة. قارئ من هذا النوع هو مبعوث الكاتب وحامل رسالته الذي لا يكفّ عن التنقيب في اللمعان بحثاً عن شرارة لا تزال عاكفة على ذاتها. هذا القارئ هو بوصلة الكاتب الحية التي تعمل بخيال منفعل يضع القراءة عند تخوم حقيقتها: فعلاً حدسياً يوازي من جهة ضرورته فعل الخلق الفني.

فاروق يوسف

"القدس العربي" (لندن)، 19/10/2005

 

 

كافكا في النقد العربي

مقدمة أو فإشارة

مواصلةً لمشروعه الجادِّ في ترجمة آثار كافكا مع تفسيراتها (*) إلى العربية، ينحو إبراهيم وطفي هذه المرّة منحىً آخرَ في الكتاب الذي أعدّه أخيراً: "كافكا في النقد العربي (البداية)، 1994 – 2005" والصادرة طبعته الأولى في سبتمبر من هذا العام (2006). 

الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات (إثنتين وأربعين مقالة، مع ملاحظة أنّ من بين المقالات قصتان قصيرتان، كما أنّ المقالة رقم إحدى وأربعين، وكما سيأتي لاحقاً، هي مجموعة شهادات عن كافكا وردت جميعها في جريدة "أخبار الأدب") لعدد من الكتّاب يقارب عدد المقالات (للكُتّاب: السيّد حسين وناصر ونوس وفرج العشة مقالتان لكل كاتب، وهناك كاتب وحيد هو إبراهيم العريس له ثلاث مقالات، أما باقي الكتّاب فلكلٍّ مقالةٌ واحِدة). ومن بين مقالات الكتاب هناك خمسٌ فقط لكاتِبات هن: أنيسة عبود وحليمة حطّاب وجمانة حدّاد وماري طوق و فرح جبر، الأولى مِن سوريا والثانية من مصر والثلاثة الأخيرات مِن لبنان. 

وتمتد الفترة الزمنية التي نُشرت فيها مقالات الكتاب، في الصحف ومواقع الإنترنت العربية، كما أشار وطفي في غلاف الكتاب، من سنة 1994 إلى 2005 . مثلما جاءت في الغلاف كلمة (البداية) في إشارةٍ ربما إلى مقالات أخرى قد تصدر في كتاب ثانٍ فيما بعد.

يقول وطفي في مقدمته التي أسماها "إشارة": "ما جاء في هذا الكتاب يمثل بداية المرحلة الثانية في تلقي آثار كافكا في البلاد العربية. وهو يضم المقالات التي عثرت عليها، بمجهود شخصي، في الصحف العربية، الورقية والإلكترونية، الصادرة بين عامي 1994 و2005".

وكان وطفي قد ذكر في بداية "إشارته" إلى ما أسماه: المرحلة الأولى مِن وصول كافكا إلى القارئ العربي وتمتد بين عامي 1947 و1994، وقد وضع أسسها وحدّد معالمها اثنان هما طه حسين (الذي نشر أول مقالة بالعربية عن كافكا في مجلة "الكاتب") وسعدي يوسف.  

ولم يشأ وطفي أن يحول بين المقالات والقارئ، بل تركها تحكي بلسان كلماتِها وأفكارِها، فيقول: "تحوي هذه المقالات بعض "المعلومات" الخاطئة، لم يجر حذفها ولا الرد عليها، إذ سيكتشفها القارئ بنفسه. وقد جاءت نقلاً عن مصادر غير رصينة، أو تأليفاً متعمداً".

وبهذا يترك وطفي للقارئ مهمّة اكتشاف "المعلومات" الخاطئة التي أشار إليها أعلاه، فكأنّه يقول للقارئ: ليس عليك أن تكون متلقّياً لما تقرأ فحسب، بل عليك أن تستخدم معرفتك وحاستك النقدية لتميّز الخطأ والصواب الذي احتوته المقالات.  

وفي ظنّي أنّ الطريقَ لهكذا قراءة واحدٌ من اثنين: أمّا أن يكون القارئ قد قرأ مِن قبل آثار كافكا أو بعضاً منها، أو أن يدع مقالات الكتاب تجادل بعضها بعضاً ليستبين له من هذا الجدل تلك "المعلومات" الخاطئة التي نبّه إليها وطفي في "إشارته"، ولكن مِن دون أن يبيِّنها. 

وربّما يكون القارئُ الذي قرأ آثار كافكا أو دراسات عنها بلغة أخرى غير العربية أحسنَ حظّاً هنا كونه يستطيع أن يقارن ما قرأه هناك بما يجده هنا في هذي المقالات العربية الحرف واللسان.

وإن كُنّا نتمنّى لو أبانَ وطفي، وهو الأكثر دراية بهكذا "معلومات" خاطئة، تلكم الأخطاء حتى يتبيّنها القارئ، وتتكوّن لديه بذا معلومات أخرى صحيحة ترسم صورةً صحيحةً لكافكا وآثاره.

الحُكْم

في المقالتين الأوليين: "تقديم جديد بالعربية لكافكا" للسيّد حسين و"مشروع لإعادة ترجمة كافكا بأسلوب جديد" لناصر ونوس، يتناول الكاتبان قصة (الحُكْم) وترجمة وطفي لها، فيقول السيد حسين: "فقد ضم (الكتاب) ترجمة لقصة قصيرة لكافكا وهي (الحكم) التي غطت 20 صفحة من الكتاب الذي يضم ما يزيد عن مائتي صفحة من القطع الصغير، بينما امتلأت الصفحات الباقية وهي 180 صفحة بتحليل للقصة وأهميتها وبنيتها وهيكليتها ووضعها في مجموع آثار كافكا".  
ومثله تعرّض ناصر ونوس لترجمة وطفي لـ (الحكم) والدراسات التي تناولتها بالتحليل والتفسير، فكتب: "لا يسعنا إلا أن نقول، دون مبالغة، إن الثقافة العربية محظوظة أن يأتي مترجم مثل ابراهيم وطفي ليترجم إليها أعمال كافكا، خاصة وأنه (المترجم) يأتي بطريقة جديدة في تقديم كاتب عالمي إلى القارئ العربي حيث أن لا يكتفي بترجمة عمل لكافكا ونشره وإنما يتبعه بدراسة أو مجموعة دراسات عنه وعن كاتبه".
 

يقول وطفي في الفصل الأول من القسم الثاني من الكتاب الأول في المجلد الأول والذي يلي مباشرةً ترجمته قصة (الحكم)، والمُعَنْون "إشارات وتحليلات وتفسيرات": "كتب كافكا الحكم كجزء من يومياته الشخصية التي كان يكتبها منذ عام 1910، واستمر في كتابتها حتى آخر حياته. بتاريخ 23 أيلول 1912 كتب كافكا في يومياته ما يلي: "هذه القصة (الحكم) كتبتها دفعة واحدة ليلة 22 – 23 من الساعة العاشرة مساء حتى السادسة صباحاً. تجمّدت ساقاي حتّى أنه أصبح مِن العسير عليَّ أن أسحبهما مِن تحت الطاولة. المجهود الهائل والغبطة العامرة، كيف تطوّرت القصة أمامي، وكيف تقدّمت في فيضان. عدّة مرات في هذه الليلة حملت ثقلي على ظهري. كيف يمكن أن يقال كل شيء، كيف تُعدُّ نار متأججة لكلّ الخواطر وأكثرها غرابة، تحترق وتنبعث. كيف أصبحت الدنيا زرقاء أمام النافذة. مرّت عربة. وعبر رجلان الجّسر. في الساعة الثانية نظرتُ إلى الساعة للمرّة الأخيرة. وإذ دخلتْ الخادمة الغرفة الأمامية للمرّة الأولى، كتبت الجملة الأخيرة. إطفاء المصباح وانتشارُ ضوء النهار. آلام القلب الخفيفة. النُّعاس الذي زال منتصف الليل. الدخول المرتجف إلى حجرة الأختين. قراءة. قبل ذلك التمطّي أمام الخادمة والقول: "لقد كتبتُ حتّى الآن". منظر الفِراش الذي لم يُمَسّ، وكأنه أُدخِلَ لتوه. والقناعة التي تأكدت أنني بكتابتي الروائية إنّما أٌوْجَدٌ في قيعان كتابة مزرية. (أما الآن) فهكذا فقط يمكن الكتابة، فقط في مثل هذا السياق، وبهذا الانفتاح الكامل للجسد والروح". 

وهكذا نستطيع أن نتبيّن أهمية كتابة قصة (الحُكم) لكافكا واحساسه أنّه "هكذا فقط يمكن الكتابة"، فيُمكننا القول إذاً إنّها البداية الحقيقية لأدب كافكا.

يقول وطفي في الفصل السادس مِن فصول الدراسات والتفسيرات التي تلي ترجمته لـ "الحكم"، وعنوان الفصل ("الحكم" في إطار مجموع آثار كافكا): "اعتبر كافكا قصة الحكم عمله الفني الحاسم الذي يمثل نقطة اختراق إلى أسلوبه الخاص به ومثالاً يحتذى به في الكتابة. وكانت هذه القصة هي الأثر الفني الوحيد الذي أفرد كافكا لبنيته تحليلاً مُفصّلاً. كما أن الحكم هي أنموذج لكل آثار كافكا اللاحقة. وهي الأثر الذي قامت على أساسه قصص كافكا الكبرى كافّة وروايتا "المحاكمة" و"القلعة". وكلّ هذه الآثار تمثل تطويراً ساحراً وتنويعاً على البنية الأساسية في قصة الحكم". 

رسالة إلى الوالد 

تتناول عشر مقالات (من الثالثة وحتى الثانية عشر) رسالة كافكا الشهيرة إلى أبيه والمسمّاة "رسالة إلى الوالد". في دراسته بعنوان "منذ بدء تاريخ البشرية" كتب فيلهلم إمريش: "كتب فرانز كافكا رسالة إلى الوالد عندما كان يبلغ السادسة والثلاثين من عمره، وقبل وفاته بنحو خمسة أعوام. كان يقف آنذاك، عام 1919، في ذروة إبداعه الأدبي، إذ كان قد كتب قصص "الحكم" و"الانمساخ" و"في مستعمرة العقاب" ومجموعة القصص القصيرة التي صدرت في العام نفسه بعنوان "طبيب ريفي"، كما كان قد كتب روايتي "المفقود" و"المحاكمة" ونصوصاً أخرى. لذا يبدو مما يثير العجب أكثر أن يقوم كافكا في مثل هذا الوقت، الذي كان يتمتّع فيه بقدرة عالية على الإنتاج الأدبي، بمثل هذه المحاكمة الرهيبة مع والده".

ولننتقل إلى بعض المقالات التي تناولت "رسالة إلى الوالد". يقول ناصر ونوّس في مقالته "فرانز كافكا وسيرة معاناته مع والده": "وفي "رسالة إلى الوالد" يتابع فرانز كافكا موضوعة العلاقة مع الأب. وهي الموضوعة التي بدأها مع قصة "الحكم". كتب كافكا هذه الرسالة عندما كان عمره 36 عاماً، وبعد كتابة "الحُكم" بسبعة أعوام. وتعتبر بمثابة تصفية حساب نهائية لعلاقته مع والده".

في مقالته "الهوية الممزقة"، كتب فرج العشة: "تمثل "رسالة إلى الوالد" سيرة كافكا الشخصية، واعترافه الفذ بالمسكوت عنه مِن عالمه الخاص الحميم المخفي، وتعتبر مفتاح الولوج إلى "قلعة" عالمه الشعري السحري. إنها مركز كل ما كتب مِن قصص وروايات ويوميّات ورسائل، كما هو والده مركز حياته نفساً نفساً، وهاجساً هاجساً، نقطة الصفر في الحياة والكتابة، ألم يكتب إليه: "كتابتي كانت تدور حولك. والحقّ كنت أشكو فيها ما كنت لا أستطيع أن أشكوه على صدرك". 

ويكتب علي ديوب في مقالته "كافكا في رسالة إلى الوالد: تفكيك للسلطة ودفاع ضد القمع": "ترى هل يحالفنا الصواب لو اعتبرنا الخوف موضوع أدب كافكا مفتاحه لفهم الواقع؟ الخوف في الانمساخ، الخوف في الحكم، الخوف في الرسالة .. مفتاح للقبض على الحرية". 

فيما يكتب عبد الباقي يوسف في مقالة "رسالة إلى الوالد، التوقيع: فرانز كافكا": (في هذه المناسبة نتعرض لأبرز وأهم رسالة تربوية كتبها أهم وأبرز روائي في القرن العشرين على الإطلاق. إنه فرانز كافكا صاحب روايات "أمريكا" و"المحاكمة" و"القلعة" وقصص "المسخ" و"في مستوطنة العقاب"، والتي شغلت وما تزال تشغل معظم الشرائح من الناس والنقاد والمهتمين، فظهرت مقولات مثل: سوداوية كافكا، والأدب الكافكاوي، وكأنك تقرأ رواية لكافكا.  ولذلك فإن كافكا لا يوجه الرسالة لأبيه فحسب، بل يوجهها إلى معظم الآباء في العالم ودون استثناء). 

وعلى طرفٍ آخر يكتب نزيه الشوفي في مقالته "رسالة إلى الوالد لكافكا": "على أية حال إن رسالته كلها تكرار لفظي متنوع. وغوص في تفاصيل الذات المفرطة .. والتي استمرَت عبر الأربعين سنة من حياته وبقي يطلب مِن أبيه أن يعينه ويقدّم له المساعدات وتحقيق الرغبات الهائلة، رغم أنه موظف يتلّقى أجراً ومنفصل عن أبيه لكنّه متعلّق به، ويوجه رسائل إليه مفعمة بالإلفاظ المقذعة، باختصار إنه مثال للولد "الدلوع" ولد من الأربعين يخربش على الورق فتصبح خربشاته أدباً شاملاً هامّاً لم يبدعه ابن امرأة. فسبحان الله".

وربما يجدر هنا أن نقارن ما كتبه الشوفي بما ختم به فرج العشة مقالته "الرسالة العملاقة": "ويبقى أبو كافكا إذا ما قورن بالأب العربي، أباً عطوفاً رؤوفاً!".  

وهكذا يمكن أن نرى كيف تتباين النظرة إلى الأثر الأدبي الواحد وشخوصه، كلٌّ ينظرُ مِن زوايةٍ ما تقرب وتبعد من ذلكم الأثر بمقدار ما في جوف الناظِر مِن تلاقٍ أو تنافر مع أو مِما يقرأه.

أما إبراهيم وطفي فكتب في الكتاب الرابع من المجلد الأول (الآثار الكاملة مع تفسيراتها) وتحت عنوان: (لماذا "رسالة إلى الوالد"؟):  

"لقد أمضى كافكا طفولة انعزالية تميّزت بانعدام الثقة بالنفس وبالخوف من الفشل. وطوال حياته كان واقعاً تحت نفوذ والده المتسلط والناجح. وكان يفهم عمله الأدبي على أنه محاولة هروب من الوالد. وخير ما يعبّر عن علاقة كافكا بوالده هو رسالة إلى الوالد. وهذه الرسالة هي وثيقة عن سيرة حياة قبل أن تكون نصاً ذا طابع أدبي بحت، لكن النقّاد أعطوها صفة أدبية. وتمثل "رسالة إلى الوالد" تصفية حساب عامة، لا تعرف الرحمة، ليس مع والده فحسب، وإنما مع نفسه أكثر. وهي، وإن لم تصل إلى المرسلة إليه، ظلّت ذات أهمية بالغة لكاتبها، وطبعها بيده على الآلة الكاتبة (باستثناء الورقة الأخيرة). لقد كُتبت "رسالة إلى الوالد" بالقرب من براغ في العقد الثاني من القرن العشرين. وطُبِعت لأول مرة في ألمانيا في منتصف القرن. وطُبِعت ودرست بالشكل الجدير بها، أخيراً، في ألمانيا في العقد الأخير من هذا القرن (أي العشرين). وهنا يستقبلها القارئ العربي، كاملة لأول مرة. ما علاقة مجتمع براغ آنذاك بالمجتمع الألماني والمجتمع العربي الآن؟

إنّ سُلطة الأب هي، في أي مجتمع، السُلطة الأولى – بين ثلاث سُلطات – التي ينبغي الانعتاق من نيرها، إذا أراد المرء أن يكون إنساناً حُرّاً، مستقِلاً، يقرر مصير نفسه بنفسه طبقاً لطبيعته وميوله وأهدافه".

ملف "أخبار الأدب": كافكا، متاهة الواقع وواقع المتاهة 

ثلاث مقالات (من التاسعة والثلاثين إلى الواحد والأربعين) مُختارة مِن العدد الخاص مِن "أخبار الأدب" وهو العدد رقم 625 بتاريخ 5 يوليو 2005، وعنوانه "كافكا: متاهة الواقع وواقع المتاهة". ففي مقالته "عن كافكا" يقول جمال الغيطاني: "رغم غرابة عالمه وكابوسيته يبدو مألوفاً، وكأننا جزء منه، يستيقظ بطل المسخ ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، ورغم غرابة التحول إلا أن هذا يبدو منطقياً في إطار العمل الفني، بل إننا مِن خلال التفاصيل الدقيقة التي يوردها المؤلف ولكن في بنية مغايرة للمألوف يشعر كلٌّ منّا أنه تلك الحشرة، التفاصيل شديدة الواقعية، إنها مفردات واقعنا، غير أنها مُصاغة في سياق مغاير يخلق واقعاً خاصّاً، غريباً، لكنه جد مألوف لنا، شيئاً فشيئاً نشعر أننا جزء من هذا العالم". 

المقالة التي تلي مقالة الغيطاني هي لروائي مصري آخر هو محمود الورداني وعنوانها "ضرورة كافكا"، وفيها يكتب: "وإذا كنت قد أعدت قراءة كافكا في بدايات شبابي المبكرة، إلا أنني أعدت قراءة الكثير مِن أعماله في كهولتي. ولشد ما أدهشني أنه ما زال طازجاً كأنه كتب في أيامنا هذه. كأنه يعيش بيننا ويواجه ما نواجهه. لذلك ما زال هذا النحيل بعينيه المرعوبتين صالحاً لاثارة كل هذا التوجس والخوف مِن آلات العِقاب المنصوبة للجميع، ومِن القضايا التي يكمن تلفيقها للجميع، ومِن هذا العالم الذي يبدو كأنه (ماكيت) لعالم آخر غامض مختفي في مكانٍ ما".

أمّا المقالة الثالثة التي اختارها وطفي مِن ذلك العدد الخاص من "أخبار الأدب" وعنوانها "كافكا أوّل المحرضين على الكتابة، كتاب وشعراء: بعضُهم أحبه وآخرون كرِهوه لكنّهم اتفقوا على أهميته"، فهي (شهادات) أدلى بها كلٌّ من: إبراهيم عبد المجيد وأحمد أبو خنيجر وجمال الجمل وخليل صويلح وشعبان يوسف وصنع الله إبراهيم وعبد الغفار مكاوي ومحمد إبراهيم طه ومحمد المخزنجي ومحمد سليمان ومصطفى ذكرى ومنتصر القفاش ونصّار عبد الله وياسرعبد اللطيف ويوسف أبو رية ونجيب محفوظ. فإذا أخذنا هنا شيئاً مِن تلك الشهادات، فلنسمع ما قاله الشاعر نصّار عبد الله: "عندما قرأتُ كافكا لأول مرة وبوجه خاص: "المحاكمة و "القلعة" و "مستوطنة العقاب" أحسست بأن كوابيسه تتقاطع مع كوابيسي الشخصية ومع كوابيس وطن بأكمله!! لقد كنت، وأظنني لا أزال، ينتابني إحساس بأن حياة الإنسان سواء على المستوى اليومي الفردي أو على المستوى السياسي أو على المستوى الوجودي ماهي إلا مواجهة متصلة لسلسلة من الاتهامات التي يوجهها إليه مِن لا نعرف على وجه التحديد مِن أعطاهم الحق في الاتهام، وأفدح مِن هذا أن أي اتهام لا يمكن أن يُفضي إلى تبرئة قط بل إنه يُفضي إلى اتهام جديد أو إلى محاكمة لا تعرف فيها مَن يُحاكمك على وجه التحديد، ولا مَن أعطاه الحقّ في المحاكمة، والمصير المؤكد في النهاية هو الموت لأن التهمة الحقيقية هي مجرّد الوجود، وهي تُهمة لا سبيل إلى دفعها بحال مِن الأحوال". 

ألا يستدعي ما يقوله نصّار عبد الله هنا، ما صرخ به صلاح عبد الصبور في قصيدته (الظِّلُّ والصَّليب):  

"هذا زمنُ الحقِّ الضائع
لا يعرِفُ فيه مقتولٌ مَن قاتِلُهُ ومتى قتَلَهْ
ورؤوسُ الناسِ على جُثثِ الحيوانات
ورؤوس الحيواناتِ على جُثثِ الناس
فتحسّسْ رأسك ..!!
فتحسّسْ رأسك ..!!"
 

ويكتب منتصر القفاش: "وهذه السِّمة هي ما تشدني لأعمال كافكا، القدرة على أن تحكي غير المألوف دون أن تحتاج إلى تبريره وتقديم الأسباب التي أدَّت إليه ودون أن تحتاج إلى تأكيدات مستمرة إلى أنه مفارق لما اعتدنا عليه، وكافكا من الكُتّاب الذين وصلوا بهذه السِّمة إلى أقصى مدىً ممكن، ولا يترك شخصياته تنعم بما تراكمه مِن خبرات على مدار التجربة بل يدفعها أكثر إلى ملاقاة ما لا تتوقعه ولاتقدر على السيطرة عليه". 

ويكتب مصطفى ذكرى: "يترك كافكا دائماً مِن يقرأه دون شبع، كما تستدعي المفاجأة والغرابة والبوليسية والتحوّل، تستدعي أيضاً الخوف، وهنا يكمن أكثر حلول كافكا ثورية وراديكالية على سلفيه العظيمين دوستويفسكي وإدجار بو، هنا الخوف مرحل قليلاً إلى البلادة والخمول، فلا ميلودرامية دوستويفسكي، ولا شاعرية إدجار بو. كان كافكا ينفر مِن الكتابات الجمالية. أتصوّر ماذا لو قرأ داريل وميلر وإدوارد الخراط". 

أمّا عبد الغفّار مكّاوي فيقول: "إنّنا في حاجة لأن نتعلّم من كافكا التواضع والصدق والبساطة وعدم الإدعاء الذي أصبح سِمة مثقفين عرب كثيرين، كذلك يجب أن نتعلم منه العودة إلى الينابيع القديمة الأصيلة، العودة إلى الأسطورة، والتي اغترف منها كل الأدباء العظام. كما أننا في حاجة إلى أن نعرف أن الأديب ليس بالضرورة شخصاً مثقفاً أو دودة كتب أو ملزماً بمحاكاة الأدباء العظام. فكافكا وتر لا يرتجف إلا مِن الداخل ولا يهتز من أي رياح تأتيه مِن الخارج".

المحاكمة، في مستوطنة العقاب والقلعة

في مقالته "المحاكمة ... ولكن لماذا لم يقاوم السيد ك.؟" يتناول إبراهيم العريس رواية كافكا "المحاكمة" فيكتب: "على الرغم أن رواية "المحاكمة" لكافكا تعتبر من أشهر روايات هذا الكاتب التشيكي باللغة الألمانية، فإن كافكا لم ينجزها أبداً، حتى وإن كان قد بدأ كتابتها قبل سنوات من رحيله". ثم يضيف قائلاً: "والحقيقة أنه رغم افتراض بعض الباحثين (**) بأن كافكا، لو استكمل كتابة روايته هذه، كان سيكون من شأنه أن يقول لنا ماهي تهمة جوزف ك.، فإن الواقع يقول لنا إن الكاتب ما كان سيفعل هذا، وإلا فإن جوهر العمل نفسه سيضيع. لأن ك. ونحن ومُطارِدي ك. الذين قد يكونون مُطارِدينا نحن أيضاً، وقد نكون المُطّارَدين (بفتح الرَّاء) والمُطارِدين بكسر الرَّاء هذه المرَّة)، كل هذا القوم الجميل، لا يمكنه أن يعرف حقيقة الذنب".

ويكتب عِزَّت القمحاوي في مقالته "في مستوطنة العقاب العالمية" عن رواية كافكا "في مستوطنة العقاب" عن ترجمة كامل حسين الصادرة من دار "شرقيات"، كيف كان "الضابط يوجه المستكشف الذي وصل إلى الجزيرة الغامضة لتفقّد آلة التعذيب الجهنمية في نوفيلا فرانز كافكا في مستوطنة العقاب. الضابط في هذه النوفيلا الغريبة كان آخر سلالة الساديين ويتمسّك بآلته التي يدينها القائد الجديد ويحاول إبطال عقوبتها الوحشية، حيث يوثق المحكوم عليه مطروحاً على وجهه في جزئها السُفلي، بينما يتحرّك الجزء العُلوي ليحرث بالإبر ظهر الضحية حتّى الموت، وبعد ذلك يُلقي بجثته في الحفرة التي امتلأت بدمائه أسفل الآلة". ويواصل القمحاوي: "الكاتب الذي كتب أعماله في بداية القرن العشرين وتركها وصيّة سِريّة ونبؤة لما سيجري من قمع في قرن موحش بالحرب والأيديولوجيا، مضى بأحداث قصته حتّى أقام الضحية في اللحظة الأخيرة، وجعل الضابط اليائس من التأييد يستلقي داخل آلته ليكون آخر ضحاياها ويدفن إلى جوار قائده المؤسس. ولا تنتهي القصة بهذه الخاتمة المريحة، لأن كافكا لم ينس أن ينبهنا إلى عبارة منقوشة على باب قبر رائد التعذيب تتنبأ بأنه سوف يعود بعد عدد معيّن من السنين ليقود أنصاره لاسترداد المستعمرة! وإذا كان علينا أن نثق في الكتابة الجيّدة فإن بوش وأتباعه هم بالحقيقة هذا القائد وأعوانه".

أما قاسم حدّاد فيكتب مقالته التي هي في ظني واحدة من أجمل مقالات الكتاب، وعنوانها (واقع يقرأ "القلعة")، وهي عن رواية كافكا "القلعة". يمهد حداد لقراءته لـ "القلعة" بقوله: "يظلُّ النص الأدبي باهر الحضور، كلما برع الواقع في قراءته. عادةً يجري النظر إلى النص الأدبي بوصفه قراءة للواقع، وأحياناً تكون هذه القراءة بمثابة الفضح....أحياناً، ستكون قراءة الواقع للنص منطوية على طاقة من المصادفات المفاجئة الموغلة في الفضح. وفي قراءة الواقع للنص ضربٌ من إعادة تركيب النص في ضوء حركة الواقع وحيويته وطاقة التحول الإبداعي الذي لا يكتفي بالنص، بل يذهب إلى مكوناته الناشئة عن شطح المخيلة. نقول الواقع، ونعني الحياة ذاتها، تلك التي يشكل النص مقترحاً مفتوحاً على تحولاتها". 

ثُمَّ تدلف المقالة إلى "القلعة"، فتقول: "من بين الأعمال الأدبية التي تظل قادرة على الحضور في حياتنا المعاصرة، ويشكل تقدّم الحضارة الحديثة إحياءاً وتأجيجاً دائمين لمقارباتها الإنسانية، وإعادة خلق لا تكفّ عن الحيوية، تلك النصوص القليلة التي تركها لنا فرانز كافكا، بالخصوص نصوصه الأساسية، مثل "المحاكمة" و"القلعة" و"أمريكا". وما علينا إلا أن نعيد تأمل هذه النصوص لكي نرى القراءة المشوقة التي يقترحها علينا واقعنا، ونكتشف أيضاً الطاقة الخلاقة الكامنة في تلك الرؤيا. فلم يكن كافكا يتحدث عن لحظة زمنية ومكانية ثابتة، إنما كان يمارس ضرباً من السبر المتصل بالإنسان في كثير من تحولاته، فيما هو يحاول تفادي حياة أرأف منها الموت .. فيموت"... "يجلس المثقف في دهليز كافكا، يصغي له وهو يكتب نصه عن تلك القلعة التي تتلاعب بمصائر البشر، قلعة قابعة هناك في قمة الجبل، تطلّ على القرى الصغيرة وتفتك بها في هيئة من يشفق عليها، وفي جميع الأحوال لن ترى القلعة في تلك القرى غير كائنات داجنة أو قيد التدجين أو يتوجب أن تخضع لذلك. سيقال إن كافكا لم يكن يفكر في المثقف (خصوصاً) عندما دفع بالسيد (ك.) إلى تلك القرية الصغيرة المغطاة بالثلوج. نعرف ذلك، لكننا نعرف أيضاً أنه لم يضع شرطاً مسبقاً يحول دون حرية الواقع وهو يقرأ النص على هواه"... "ثمة الحياة التي هي موت ناجز غير معلن. فما إن يسلّم المثقّف نفسه للدور المتوهم في خدمة القلعة، مستسلماً لتوجيهات مبعوثيها وممثليها في القرية، حتى يفقد سلطته على نفسه. فهو منذ اللحظة رهن سلطة القلعة، ويتوجب عليه أن يصغي إلى تعاليمها، وينفّذ مشاريعها بالآليّة التي تتناسب مع منظور القلعة فحسب. 

وعنما يكتشف المثقف أنه لم يعد يُعبّر عن النزوع الفطري الذي صدر عنه مبكراً، والمتمثل في رغبة تغيير الحياة، وإنما هو يذهب (مثل السائر في النوم) نحو إنجاز المهمات الغامضة التي تروجها سُلطة القلعة، بواسطة موظفيها المنتشرين في مواقع خطواته، عند ذلك سوف يكون الوقت قد فات على تدارك الأمر، حيث لا رجعة عمّا يذهب فيه".  

كافكا و"اليهودية"

واحِدة من النِقاط الجدلية التي أشارت إليها بعض المقالات هي يهودية (وأحياناً صهيونية!!! كافكا)، كما في مقالة "رسالة إلى الوالد لكافكا" لنزيه الشوفي و "قصة كافكا .. كاملة" لنصر الدين البحرة و"كافكا من هو؟! من داخل نصوصه" لحسن حميد: هذي المقالات أرادت أن تدمغ كافكا بدمغة اليهودية بل والصهيونية أيضاً. فمثلاً يكتب نصر الدين البحرة في بداية مقالته: "تساءلت وأنا أقرأ قبل أيّام في عدد من الصحف العربية، خبراً عن الكاتب اليهودي الصهيوني التشيكي الألماني: أهذا هو النفوذ الصهيوني ثقافيّاً يضغط على العالم الثقافي ويفرض نفسه علينا بعدئذٍ؟ أم هو جهلنا أم تجاهلنا، أم واحدة من نتائج "التطبيع" مع العدو، حتّى بات بعض مثقفينا وأدبائنا "موضوعيين" إلى درجة الدفاع عن رموزه الثقافية والأدبية ثم يتباهون في ذلك، دون خجل أو حياء؟!". 

ويكتب حسن حميد: "... فما مسخه، و(صرصاره) إلا صورة من مقاومة اليهودية للغيتو الأوروبي، من أجل النفاذ إلى (أرض الميعاد) التي (وعد) بها اليهود كما زعموا". 

وتذهب مقالات أخرى في الإتجاه الآخر وهو إخراج كافكا وآثاره من طوق اليهودية والصهيونية التي تحاول المقالات السابقة ومثيلاتها إحكامه حولها، والإبحار بها نحو آفاق إنسانية أكثر رحابة وسِعة. مثال ذلك مقالة "الآخر هو العدوّ عندنا" لكمال سبتي و "هل كان كافكا صهيونيّاً؟" لحسام الدين حافظ و"هُوية كافكا: هل كان من شأن كافكا أن يُسمّى كاتِباً فلسطينيا؟!" لإبراهيم وطفي.

يكتب حسام الدين حافظ وهو يعرض المقدمة التي كتبها كامل يوسف حين ترجم قصتي كافكا "في مستوطنة العقاب" و"بنات آوى وعرب": "... ويحاول (أي كامل حسين) في مقدمته إيجاد أكثر من دليل ينفي تواصل كافكا مع مقولات الفكر الصهيوني، منها ما جاء في موسوعة (ماكميلان) للأدب العالمي التي اعتبرت كافكا مفتقراً للتعاطف الغريزي مع الصهيونية (رغم كونه يهودياً)".

أما وطفي فلعلّه أوفى هذه المسألة رداً حين يقول: "وكانت لغة الحديث في بيت كافكا هي الألمانية وحدها. ولم يكن كافكا يعرف شيئاً من اللغة اليديشية، لغة يهود شرق أوروبا – (كان يتقن التشيكية والفرنسية، ويعرف الإنجليزية والإيطالية). ولم يتلق أي تربية دينية عند أهله. ولم يكن يعترف بيهوديته إلا إذا كان مضطراً. ولكافكا أقوال عديدة في رسائله إلى صديقته ميلينا تنم عن عدم استلطافه لليهود. ففي رسالة مؤرخة في 13 حزيران 1920 [أي قبل أربع سنوات من رحيله] كتب كافكا: "رأيك باليهود الذين تعرفينهم طيّب أكثر من اللازم. أحياناً أتمنّى أن أحشرهم جميعاً (بما فيهم أنا) في الدرج، وأنتظر، ثم أسحب الدرج قليلاً كي أرى فيما إذا كانوا اختنقوا جميعاً، وإذا لم يكن هذا قد حدث، فأغلق الدرج، وأعيد العملية هكذا حتى النهاية". ولكافكا جملة مشهورة تقول:"لم ترشدني يدُ المسيحية في الحياة مثل كير كيجارد، ولم ألتقط الطرف الأخير من رداء الصلاة اليهودي مثل الصهاينة". وقبل وفاته بأسابيع كتب إلى والد صديقته دورا ديامنت، التي كانت ترعاه في المستشفى، رسالة يرجوه فيها السماح له بالزواج من ابنته. ورغم أن والد دورا كان رجل دين، فقد ذكر له كافكا في رسالته بصراحة أنه ليس يهودياً مؤمناً. وفي مجموع آثار كافكا لا توجد شخصية يهودية واحدة." 

ويمضي وطفي في مقالته أعلاه فيقول: "أمّا خبراء الدعاية الصهيونية فقد قاموا بأكبر عملية (سطو) على كافكا، إذ ادّعوا أنه كان صهيونياً. وكان مرجعهم (الوثائقي) الأساسي في ذلك هو كتاب كتبه شخص يدعى غوستاف ينوش ونشره بعنوان (أحاديث مع كافكا). وما من دارس رصين من دارسي كافكا في العالم يعتبره مرجعاُ رصيناً. وإذا استشهد دارس جاد من هذا الكتاب، وهذا نادر، فإنه يفعل ذلك معرباً عن شكه في صحة هذا المصدر (***). لكن كافكا ليس ملكاً لدولة ولا لصهيونية، وإنما هو أكثر من أي شاعر عالمي آخر، هو ملك البشر كلّهم ... (بما فيهم العرب طبعاً .. إذا أراد العرب).... ويبدو كافكا لبعض الدارسين كاتباً خارج كلّ تراث أدبي قومي وكل علائق تاريخية، من دون أي ماض.... كان كافكا طيلة حياته في موقف المنفي. وكانت هويته القومية لا تخلو من إشكالية. وكان بلا وطن حقيقي. ومن هنا – ربما – جاءت شموليته".

نونُ الكتابة

كما ذكرت في بداية كتابتي، هناك خمس مقالات لكاتِبات، وواقع الحال أن أولاهن ليست مقالة بل قصة قصيرة هي " قامات مزوّرة" للقاصة السورية أنيسة عبود تبدأ هكذا: "استيقظ مـتأخراً على غير عادته، شرب قهوته وراح يرتدي ثيابه وهو ينظر إلى المرآة يستطلع ملامحه .. فوجئ إذا رأى أنه قزم جداً، لم يصدق عينيه".
كما هو بائن تستدعي الكاتبة هنا قصة "الانمساخ" لكافكا: "حين أفاق غريغور سامسا ذات صباح مِن أحلام مزعجة، وجد نفسه وقد تحوّل إلى حشرة ضخمة".
 

وتمضي قصة عبود التي لا يتجاوز طولها صفحتين، لتصف لنا "سعيد" المُتّحوِّل وهو ينزل إلى الشارع، فلا يحيَه أحد، وتفر" أسماء" حبيبته وتنكره أمه، فيفكّر ألا أحد سيدرك سرّ هذا التزوير، كما تقول الكاتبة، سوى "سعدون" الذي "يسجل الولادات والوفيات .. الأسماء والوظائف والعائلات وأطوال كل فرد ونمرة حذاء كل فرد في الحارة" ... ولكن "سعدون" هو الآخر تغيّر .. لم يعد في وجهه شعر ولا شوارب .. صوته يشبه صوت المرأة وهيئته لم تعد تدل على هيئة رجل .. إنه امرأة .. ابتعد "سعيد" وهو يرجع إلى الوراء اصطدم بامرأة .. نظر إليها فوجدها "أسماء" المرأة التي أحبّها، أشار بيده وكأنه يسأل، ابتسمت وراحت تطيّر البوم مِن صدرها".

في مقالتها "فيليس ... كانتّي قاضياً" تكتب حليمة خطّاب عرضاً لكتاب إلياس كانتي "محاكمة كافكا الأخرى" والذي ترجمه للعربية نعيمان عثمان وأصدرته دار "شرقيّات" ط1 2002 ، حيث يتناول كانتّي، كما تقول خطّاب، مراسلات كافكا مع خطيبته فيليس باور فيصفها بقوله: "هي مجموعة رسائل فريدة استمدّ كافكا منها مؤونته في الكتابة". ويضيف: "إنه ليس تبادلاً عقيماً للرسائل، إنه يعينه في الكتابة، ليلتان بعد الرسالة الأولى يكتب (الحكم) وفي جلسة واحدة، خلال ليلة واحدة، وخلال هذه العلاقة توطدت ثقة كافكا بنفسه ككاتب، وفي الأسبوع التالي كتب (السكتة) وفي الشهرين التاليين يكتب (أمريكا) ثم يأتي عمله الكبير (المسخ)، فترة انتاج رائعة لا تقارن بفترات أخرى في حياته". ومثلما كتبت "خطّاب" عرضاً لكتاب، تحذو حذوها كلٌّ من ماري طوق وفرح جبر، فتتناول الأولى كتاب "كافكا والفتيات" لدانيال ديماركت، وتتناوله أيضاً الثانية بالإضافة إلى كتاب إلياس كانتي الذي عرضته خطّاب كما أشرت أعلاه.

تكتب ماري طوق في مقالتها "كافكا عاش المرأة هاجساً وكلما اقترب منها ... هرب": "مغامرات كافكا العاطفية لا يتناولها الكاتب دانيال ديماركت بحدّ ذاتها، بل يشدد على الروابط التي تجمعها بأدبه وبسيرته الذاتية النفسية وكأن كافكا يتوقع فقط من الفتيات والنساء أن يكنّ بمثابة عون له يستمد منهن القدرة على الكتابة، لا بل يضحي بهن على مذبح الكتابة". وتمضي طوق مع كتاب "كافكا والفتيات" فيكتب وتكتب عن علاقات كافكا مع فيليس باور وجولي وميلينا ومراسلاته مع الأولى والأخيرة، ثم تجئ الخاتمة مع علاقته مع دورا ديامنت، حيث تتساءل طوق: "هذه هي قصة كافكا مع الفتيات اللواتي ملأن حياته ولم يقترب منهن، إلا بقدر ما سمح له مِزاجه وعشقه للكتابة. ولكن، هل نستطيع حصر حياة كافكا العاطفية بخوفه العصابي من الجنس والمرأة والزواج؟".

"كافكا والنساء: المرأة كائن الكتابة لتزيين الجثّة بالأنوار"، هكذا أسْمَتْ فرح جبر مقالتها وفيها تقول: "بين الكتابين (كتابي :ديماركت وكانتي المُشار إليهما آنفاً) وكتابات أخرى نلاحظ كابوسية كافكا المريرة في الحب وفي العلاقات العاطفية والغرامية. فهو يحلم بالحبّ على طريقته كما يحلم بالحياة. يطلب المستحيل من الفتيات، على غرار ما يطلب من الأدب والحياة. يعشق الفتاة من بعيد وحين تقترب منه يبتعد عنها، وحين تهرب منه يحاول استرجاعها. يخطب الفتاة لكنه يرتعب مِن فكرة الزواج منها". 

وكما فعلت طوق عرضت جبر علاقات كافكا مع الفتيات والنساء اللاتي ورد ذكرهن في مقالة طوق، وهذا راجع لا شك إلى أنّ الكاتبتين تناولتا نفس الكتاب وهو "كافكا والفتيات"، ألهذا إذاً خلصتْ جبر إلى ذات النتيجة التي انتهت إليها طوق، فكتبت: "ومثلما كان كافكا يريد المرأة ويهرب منها، كانت هذه المرأة في أدبه هي الكائن الذي يبقى لكن متحوّلاً إلى كتابة. ففي كل مرة كان كافكا يلتقي بفتاة جديدة، كانت العلاقة تنتهي بانتصار الكتابة على متعة الحياة والسعادة".

ولن يفوتنا بالطبع أن نلحظ هنا أن المقالات الثلاث الماضية، وهي لكاتِبات، ركّزت على علاقات كافكا مع النساء، وهو ما لم تناوله المقالات الأخرى وكتّابها الرّجال، وإن كان الكتابان اللذان تأسست عليهما رؤى الكاتبات هما لرجلين (كانتّي وديماركت). 

أمّا جمانة حدّاد فآثرت أن تسير على دربٍ آخر (مع الإشارة إلى أن مقالتها "ثمانون عاماً على غياب كافكا" جاءت هي الأخرى مؤسسةً على دراسة عن كافكا، كشأن مقالات خطّاب و طوق وجبر)، وهي علاقة كافكا الكاتب بالوظيفة، فكتبت تقول: "كُتب الكثير بلا ريب عن علاقة كافكا بعمله، وعن المعاناة التي تسبب بها له طغيان الواجبات. لكن هل كانت حقّاً غربة مطلقة بين فرانز الموظف وكافكا الكاتب، أم أن الأخير توصّل في شكل ما إلى ردم الهُوة مع وجهه الآخر، وإلى رتق المزق القدري بينهما؟ هل كان ثمّة فِصام بين الرجلين، أم انعقدت مصالحة سِرّية بين هذا وذاك؟ إنه التساؤل الذي تطرحه دراسة حديثة حول الوظيفة في حياة الكاتب (وحول حياة الكاتب في وظيفته) صدرتْ حديثاً في ألمانيا بقلم الباحث كلاوس فاغنباخ، وتسدّ النقص الفادح اللاحق بصورة كافكا على هذا المستوى".

وتعرض حدّاد للاشمئزاز الذي كان يثيره المكتب في نفس كافكا وتقول إنه "لم يكن ناتجاً من أحكام الوظيفة في ذاتها بقدر ما كان ناتجاً من هجس الكاتب بالكتابة". وتمضي فتقول: .... لهذا لم يكن كافكا إذن ضحية الوظيفة بقدر ما كانت الوظيفة مجرد عائق مزعج أمام ترف لطالما حلم به كل كاتب. ترف يجدر أن يكون حقاً، وهو تكريس كامل الوقت للكتابة. وتضيف: "... وحتى ولو كنا نصدقه حين يزعم أنه عانى الأمرين من جراء متطلبات الوظيفة، إلا أن خياله لم يخضع لتلك المتطلبات ولا استسلم لجبروت قيودها. فالمكاتب الكئيبة وقاعات الاجتماع المكتظة وغرف المصانع الصاخبة وجبال الملفّات المهملة حضرت كلها في أعماله".

خاتمة

ما مِن شك أننا نلاحظ ونحن نقرأ مقالات كتاب "كافكا في النقد العربي" تنوّع هذه المقالات وتشعبها، ولا عجب في ذلك إذ أنّ وراءها هذا العدد الكبير مِن الكتّاب، والذين بالضرورة تختلف آراؤهم ورؤاهم عن كافكا وآثار كافكا .... ولكن ظنّي أننا نحن القراء نتفق على الجهد المُقدَّر الذي بذله إبراهيم وطفي وهو يجمع هذا العدد الكبير مِن المقالات بين دفتي كتاب، والذي هو، وكما أشرت في بداية كتابتي هذه، سير على خطا مشروعه الكبير في ترجمة آثار كافكا إلى العربية.

هوامش: 

*أصدر إبراهيم وطفي مُجلدي "الآثار الكاملة مع تفسيراتها" لفرانز كافكا مُترجَمينِ عن الألمانية (اللغة التي كتب بها كافكا آثاره): المجلد الأول (الأُسْرَة): ويحتوي ترجمة أربعة أعمال لكافكا هي قصص "الحُكْم" و "الوقاد" و "الانمساخ" (التي اشتهرت لدي القارئ العربي بـ "المسخ" كما ترجمها منير البعلبكي وعن لغة وسيطة وصدرت طبعتها الأولى عن دار العلم للملايين في تموز 1957) و"رسالة إلى الوالد". وقد أعقب وطفي ترجمة كلِّ هذه الأعمال بعدد كبير جداً من الدراسات المترجمة هي الأخرى عن الألمانية وبكم هائل من الإشارات والتحليلات والتفسيرات وإضاءات لحياة كافكا وأسرته، وهي بحق "تمثل طريقة جديدة في تقديم كاتب عالمي إلى القارئ العربي"، كما جاء في الغلاف الأخير لهذا المجلد الضخم الذي يتألف من 847 صفحة. وقد صدرت الطبعة الثانية (منقّحة) لهذا المجلد عام 2003، وناشرها هو المترجم نفسه أي إبراهيم وطفي وتوزيع دار الحصاد السورية.  

أمّا المجلد الثاني (الذَّات)، فهو مُكرّس بأكمله (815 صفحة) لرواية كافكا الشهيرة (المُحاكمة). ونقرأ في الغلاف الأخير لهذا المجلد ما يلي:"يضم هذا المجلد الثاني من "الآثار الكاملة" لكافكا: 1 - نصوص رواية "المحاكمة"، بتسلسل فصول صحيح لأول مرة في العالم، 2 - عشرين مقالة عن الرواية، وضعت خلال نصف قرن، 3 - آخر دراسة عن الرواية: كتاب "رسالة كافكا غير المُدرَكة"، 4 - أحاديث مع مُفسِّر لرواية "المحاكمة"، 5 - من سيرة حياة كافكا وتلقي آثاره في العالم.

وصدرت الطبعة الثانية (موّسعة) للمجلد الثاني عام 2004  من ذات الناشر، أي المترجم، وتوزيع دار الحصاد كذلك. أما المجلدات الأخرى، فلم تصدر بعد. وقد أفادني وطفي أخيراً أنه سيجعل المجلد الثالث يحتوي كافة قصص كافكا، باستثناء "الحُكْم" و "الانمساخ"، وسيحمل عنوان "القصص / البنية الجدلية للوجود البشري".

والسؤال المُهِم هنا هو: لماذا لم تتولَّ أية دار نشر عربية إصدار هذه المجلدات، حتى ينبري المترجم نفسه لنشر المجلدين الأولين، ولا ندري متى ستُنشَر الثلاثة الباقية؟! ما الذي يشغل هذي الدور مِن أن تسعى لنشر كل المجلدات تقديراً متواضعاً لجهدٍ جبّارٍ كهذا ....؟! هل هي "تُهمة" يهودية كافكا ما يجعل هؤلاء "الناشرين" يحجمون عن نشر آثاره وما يمت إليها من دراسات و ....؟! هل هي ضخامة المجلدين مع جِدّية الآثار ودراساتها مما قد يراه الناشر عملاً غير مجدٍ ماديّاً، فالأولى مثلاً أن ينشر عوضاً عن ذلك روايةً خليجيةً وأنثويةً تحديداً خفيفةَ النَّفَس والحِبر والورق، فماله إذاً و"قتامة وصرامة" كافكا ....؟!

** لابد هنا مِن الإشارة إلى ما قام به "كريستيان إشفايلر" أفضل مُفسّر لكافكا، كما خاطبه إبراهيم وطفي في إحدى رسائله له، مِن إعادة ترتيب فصول رواية "المحاكمة" على غير ما صدرت به مِن قبل، وتفسيره لها تفسيراً أقل ما يوصف به أنه غاية في العمق والدّقة (أنظر كتاب إشفاير "رسالة كافكا غير المدركة" والذي ترجمه وطفي ضمن ترجمته للدراسات المكرسة لرواية المحاكمة)..... والعربية لا شك محظوظة إذ أنّ ترجمة وطفي لـ "المحاكمة" هي أول صدور لها وفق ترتيب إشفايلر لها، بل لعلها هي الوحيدة إلى الآن على مستوى جميع لغات العالم! 

*** في حوار أجراه إبراهيم وطفي مع راينر شتاخ، كاتب سيرة كافكا، يقول الأخير وقد سأله الأول عن مدى مصداقية غوستاف يانوش: "لقد ثبت منذ مدة طويلة أن تقارير يانوش عن أحاديثه مع كافكا غير موثوق بها. بل إنه يمكن للمرء لدى بعض الجُمَل أن يُثبِت مِن أين نقلها (مع تعديلها على نحو طفيف). لا مراء أنه ينقل أيضاً بعض أقوال كافكا الصحيحة، لكن لا يمكن للمرء أن يعرف قط فيما إذا كان قد سمعها أم ابتدعها، أم إذا كانت مزيجاً من الاثنين. وعندما كانت تجري مواجهة يانوش في محادثة شخصية بهذه التناقضات، كان يشير ساخراَ إلى "ذاكرته السيئة".

عصام عيسى رجب

"الأخبار" (الخرطوم، 2006)

"البحرين الثقافية / العدد 51" (المنامة، 2008)

مواقع "جهة الشعر"، "جدار"، "سودان للجميع"